كورنيش الدوحة. المصدر: ويكيميديا كومنز
تُختبر الصداقات في الأزمات. وحين ضربت جائحة كورونا اقتصاد سيشل في مقتل، بإغلاق سمائها ووقف تدفّق السيّاح الذين يقوم عليهم اقتصادها، كانت الجزر بحاجةٍ إلى شركاء لا إلى مجاملات. هنا برز الدور القطري في أحد أكثر فصوله عملية.

اقتصادٌ جزريٌّ في مواجهة الوباء
تعتمد سيشل على ساقين: السياحة ومصايد التونة. ومع إغلاق الجائحة لحركة السفر العالمية، انهارت السياحة، وتهدّدت الميزانية العامة ومصادر رزق آلاف الأسر. الدول الصغيرة النامية كانت الأشدّ تضرّرًا والأقلّ قدرةً على تحمّل الصدمة. في هذا السياق جاء العرض القطري.
دعم الميزانية وتبادل الخبرة
خلال زيارة الرئيس السيشيلي إلى الدوحة عام ٢٠٢١، طرحت قطر التعاون في دعم الميزانية وتبادل الخبرة الفنّية في مواجهة الوباء، إلى جانب التعاون في المناخ والأمن البحري. دعم الميزانية يعني مساعدةً على تجاوز عجزٍ طارئ، وتبادل الخبرة يعني نقل معرفةٍ في إدارة الأزمة الصحّية. كلاهما، في تلك اللحظة، أثمن من قيمته المعلنة.
الدعم
| التوقيت | ذروة جائحة كورونا، ٢٠٢١ |
| المجالات | دعم الميزانية · الخبرة الفنّية للجائحة |
| مجالات مرافقة | المناخ · الأمن البحري |
| السياق | اقتصادٌ سياحيٌّ متضرّر بشدّة |
قيمةٌ تفوق الرقم
في أوقات الرخاء تبدو أرقام الدعم عادية. أمّا في أوقات الشدّة، فإنّ يدًا تمتدّ في اللحظة الصحيحة تساوي أضعاف قيمتها. الدعم القطري لسيشل خلال الجائحة كان من هذا النوع: تدخّلٌ في وقته، أعان بلدًا صغيرًا على الصمود حتى عادت سماؤه تستقبل الزوّار. وهو ما يفسّر لماذا يصف البلدان علاقتهما بالممتازة.
ما دعم الميزانية؟
حين نسمع «دعم الميزانية»، قد يبدو المصطلح تقنيًّا، لكنّ معناه بسيطٌ وحاسم. فبدل تمويل مشروعٍ بعينه، يذهب هذا الدعم إلى خزينة الدولة مباشرةً ليعينها على الوفاء بالتزاماتها: رواتب، وخدمات، وسدّ عجزٍ طارئ. في زمن الأزمة، حين تنهار الإيرادات فجأة، يكون هذا النوع من الدعم شريان حياة، لأنه يمنح الحكومة مرونةً لتوجيهه إلى أشدّ الحاجات إلحاحًا. عرض قطر التعاون في دعم ميزانية سيشل كان عرضًا بهذا الوزن.
الجائحة والدول الجزرية الصغيرة
كانت الدول الجزرية الصغيرة من أشدّ ضحايا الجائحة الاقتصاديين. فاقتصاداتها المعتمدة على السياحة انهارت بين ليلةٍ وضحاها حين أُغلقت سماء العالم. سيشل، التي تأتي حصّةٌ ضخمة من دخلها من الزوّار، شهدت انكماشًا حادًّا في اقتصادها عام ٢٠٢٠. ولأنها دولةٌ صغيرة محدودة الموارد، كانت قدرتها على امتصاص الصدمة أضعف من قدرة الاقتصادات الكبرى. في هذا القاع بالذات، صار كل دعمٍ خارجيٍّ مضاعَف القيمة.
الخبرة الفنّية: ما وراء المال
لم يكن العرض القطري مالًا فحسب، بل تبادلًا للخبرة الفنّية في مواجهة الوباء. إدارة أزمةٍ صحّية عالمية تتطلّب معرفةً: كيف تُدار المستشفيات تحت الضغط، وكيف تُنظَّم حملات الفحص والتطعيم، وكيف يُوازَن بين الصحّة والاقتصاد. نقل هذه المعرفة بين البلدين لا يقلّ أهمّية عن المال، لأنه يبني قدرةً تبقى بعد أن تنتهي الأزمة. العون الذي يعلّم أبقى من العون الذي يُنفَق.
الصديق وقت الضيق
ثمّة قاعدةٌ قديمة: الصديق وقت الضيق. العون في زمن الرخاء مجاملة، أمّا في زمن الشدّة فاختبار. حين مدّت قطر يدها إلى سيشل في أحلك أيام الجائحة، كتبت في سجلّ العلاقة صفحةً لا تُنسى. هذا النوع من المواقف هو ما يحوّل علاقةً رسمية إلى صداقةٍ حقيقية بين شعبين، ويفسّر لماذا يصف البلدان علاقتهما دومًا بالممتازة.
من القاع إلى التعافي
لم تدم الأزمة إلى الأبد. فمع حملة التطعيم السريعة، أعادت سيشل فتح حدودها للسياحة في مارس ٢٠٢١ قبل كثيرٍ من منافسيها، وبدأ الزوّار يعودون تدريجيًّا حتى تعافى الاقتصاد. لكنّ الطريق من القاع إلى التعافي لم يكن ليُقطَع لولا من ساندها في القاع. الدعم الذي جاء في أحلك اللحظات هو ما أبقى الجزر واقفةً حتى عادت الشمس.
وهنا يظهر معنى الشراكة الحقيقية. فحين تعافت سيشل، لم تنسَ من وقف معها في ضيقها. الثقة التي بُنيت في الجائحة صارت أساسًا لما تلاها من مشاريعَ وتعاون. العون في الأزمة استثمارٌ في علاقةٍ طويلة، عائده ودٌّ لا يزول. ومن أعان صديقًا على النهوض، كسب مكانةً في قلبه لا تشتريها الاتفاقيات.
ويبقى من هذا الفصل درسٌ إنسانيٌّ بسيط: أنّ أصدق العطاء ما يأتي في وقته. المال الذي يصل حين تنهار الإيرادات، والخبرة التي تُنقل حين تعجز الدولة، يساويان أضعاف قيمتهما في الميزان. هكذا تُبنى الشراكات التي تصمد: لا في موائد الاحتفال، بل في لحظات الشدّة حين يظهر معدن الأصدقاء، ويبقى أثر تلك اللحظة طويلًا بعد أن تزول الأزمة نفسها.
