قصر العلم في مسقط. المصدر: ويكيميديا كومنز
الإمبراطوريات التي يبنيها رجلٌ واحد كثيرًا ما تتصدّع بعد رحيله. وهذا ما حدث لإمبراطورية عُمان وزنجبار بعد وفاة بانيها سعيد بن سلطان في البحر قرب سيشل عام ١٨٥٦. فما إن غاب المؤسّس حتى برز النزاع بين أبنائه على وراثة مُلكٍ يمتدّ على ضفّتَي المحيط.
نزاعٌ على مُلكٍ عابرٍ للبحر
ترك سعيد بن سلطان إمبراطوريةً مزدوجة القلب: مسقط في الجزيرة العربية، وزنجبار في أفريقيا. تنازع ابناه: ماجد الذي استقرّ في زنجبار، وثويني الذي حكم من مسقط. كان الخلاف طبيعيًّا؛ فكيف يُحكم مُلكٌ يفصل بين شطرَيه محيطٌ كامل، ولكلّ شطرٍ اقتصاده وأعيانه؟
تحكيم كاننغ
لحسم النزاع، لجأ الطرفان إلى تحكيمٍ بريطاني. فأصدر اللورد كاننغ، الحاكم العام للهند البريطانية، قراره الشهير (قرار كاننغ) عام ١٨٦١، الذي فصل رسميًّا بين السلطنتين: سلطنة زنجبار وسلطنة مسقط وعُمان، كلٌّ مستقلّةٌ عن الأخرى. وبذلك انتهت رسميًّا الإمبراطورية الموحّدة التي بناها سعيد بن سلطان.
الانقسام
| سبب الأزمة | وفاة سعيد بن سلطان ١٨٥٦ |
| المتنازعان | ماجد (زنجبار) وثويني (مسقط) |
| التحكيم | قرار كاننغ البريطاني، ١٨٦١ |
| النتيجة | سلطنتان مستقلّتان: مسقط وعُمان / زنجبار |
| الرمز | نهاية إمبراطورية المحيط الموحّدة |
صدى الحدث على الجزر
قد يبدو انقسام السلطنتين شأنًا عُمانيًّا أفريقيًّا بعيدًا عن سيشل. لكنّ الخيط يربطهما: فالرجل الذي نشأ الخلاف على إرثه مات في مياه هذه الجزر. ونهاية إمبراطوريته أعادت رسم خريطة القوى في المحيط الهندي الذي تقع سيشل في قلبه. تاريخ الجزر جزءٌ من تاريخ هذا البحر الكبير وصعود قواه وأفولها.

ماجد وثويني: أخوان وبحرٌ بينهما
في قلب النزاع أخوان. ماجد بن سعيد استقرّ في زنجبار حاكمًا لثروة أبيه الأفريقية، وثويني بن سعيد حكم مسقط وعُمان في الجزيرة العربية. لم يكن الخلاف شخصيًّا فحسب، بل بنيويًّا: كيف تُحكم دولةٌ يفصل بين شطرَيها محيطٌ كامل، ولكلّ شطرٍ اقتصاده وأعيانه ومصالحه؟ الإمبراطورية التي وحّدها الأب بشخصه لم تجد بعده من يحمل شطرَيها معًا. المسافة التي كانت مصدر القوّة صارت مصدر الانقسام.
لماذا تدخّلت بريطانيا؟
لم يكن تدخّل بريطانيا في النزاع بريئًا. فالإمبراطورية البريطانية كانت القوّة الصاعدة في المحيط الهندي، تسعى لضمان طرق تجارتها إلى الهند. رأت في تحكيمها فرصةً لتثبيت نفوذها على الطرفين، خاصّةً على زنجبار الغنية. فصدر 'قرار كاننغ' عام ١٨٦١ ليفصل السلطنتين، ويُلزم زنجبار الأغنى بدفع إعانةٍ سنوية لمسقط الأفقر. وهكذا حسم أجنبيٌّ مصير إمبراطوريةٍ عربية، في مشهدٍ يلخّص كيف بدأ الأفول.
حسم أجنبيٌّ مصير إمبراطوريةٍ عربية، في مشهدٍ يلخّص كيف بدأ الأفول.
بداية النهاية للسيادة العربية
كان الانقسام إيذانًا بأفول القوّة البحرية العربية في المحيط الهندي. فالسلطنتان المنفصلتان أضعف من الإمبراطورية الموحّدة، وكلتاهما وقعت تدريجيًّا تحت النفوذ الأوروبي: صارت زنجبار محميةً بريطانية عام ١٨٩٠، وازداد الضغط على مسقط. البحر الذي حرّرته عُمان من البرتغال عام ١٦٩٨، عاد بعد قرنين ونصف ليخضع لسيطرةٍ أوروبية جديدة، بعد أن أضعفه الانقسام من الداخل.
درسٌ في وحدة القرار
في قصّة الانقسام عبرةٌ تتجاوز التاريخ. فالقوّة التي بناها جيلٌ بوحدة القرار، بدّدها جيلٌ بالخلاف. والإمبراطورية التي هابها البحر، أضعفها النزاع الداخلي قبل أن يضعفها أيّ عدوٍّ خارجي. هذا الدرس، أنّ الوحدة مصدر القوّة والانقسام بداية الأفول، يتردّد في تاريخ الأمم كلّها، ويبقى حاضرًا كلّما نظرنا إلى صعود القوى وسقوطها على مسرح المحيط الهندي.
سيشل شاهدةٌ على الفصول كلّها
تقف سيشل، في وسط هذا المحيط، شاهدةً صامتة على فصول هذه الملحمة: من صعود عُمان، إلى وفاة سلطانها في مياهها، إلى انقسام إمبراطوريته، إلى أفول القوّة العربية. لم تكن الجزر طرفًا في الأحداث، لكنها كانت حاضرةً في مسرحها، على الطريق الذي مرّت به كل هذه القوى. تاريخها جزءٌ من تاريخ المحيط، وذاكرتها تحمل صدى صعود الأمم وأفولها على مياهها.
وتبقى العبرة الأبقى أنّ التاريخ لا يسير في خطٍّ مستقيم. فالإمبراطورية التي بلغت أوجها في مياه سيشل، تفكّكت في جيلٍ واحد. لكنّ ذاكرتها لم تتفكّك: ما زالت حيّةً في زنجبار ومسقط، وفي كل موجةٍ تلامس شواطئ الجزر التي شهدت ذروة المجد وبداية الأفول. من يعرف هذا التاريخ، يرى في سيشل أكثر من شاطئ: يرى مسرحًا لملحمةٍ بحرية عربية لا تُنسى. ومن وقف على شواطئها وعرف حكايتها، لم يعد يراها مجرّد وجهةٍ للسياحة، بل صفحةً حيّة من تاريخ أمّةٍ صنعت مجدها على الماء، ثم شهدت أفوله في هذه المياه بالذات.
