واجهة ستون تاون البحرية في زنجبار. المصدر: ويكيميديا كومنز
حين نتحدّث عن الإمبراطوريات البحرية، يذهب الذهن إلى البرتغال وهولندا وبريطانيا. لكنّ قوةً عربية حكمت جزءًا واسعًا من المحيط الهندي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر: سلطنة عُمان. من موانئها، مسقط وصُحار وصُور، امتدّ نفوذها على رياح الموسم حتى صار المحيط الهندي بحرًا عُمانيًّا في جزءٍ كبيرٍ منه.
عاصمةٌ في قلب أفريقيا
بلغت الإمبراطورية أوجها في عهد سعيد بن سلطان، الذي نقل عاصمته الفعلية إلى زنجبار عام ١٨٤٠. لم يكن ذلك قرارًا رمزيًّا، بل اعترافًا بأنّ ثقل الإمبراطورية صار في أفريقيا: في تجارة القرنفل والعاج والموانئ المزدهرة. حكمت أسرة البوسعيد من ستون تاون، فصارت زنجبار ملتقى العرب والأفارقة والهنود، مدينةً عالمية على ساحل المحيط.
الإمبراطورية في أرقام
| الامتداد | من مكران وبلوشستان إلى ساحل أفريقيا الشرقي |
| الموانئ العُمانية | مسقط، صُحار، صُور |
| العاصمة الأفريقية | زنجبار (منذ ١٨٤٠) |
| التجارة | القرنفل، العاج، اللؤلؤ، البضائع |
| المحرّك | رياح الموسم ومراكب الدهو |
بحرٌ واحدٌ يربط الشواطئ
قامت الإمبراطورية على فهمٍ عميقٍ للبحر. رياح الموسم التي تهبّ في اتجاهٍ نصف العام وتعكسه في النصف الآخر، كانت محرّك التجارة. حملت مراكب الدهو البضائع والبشر والأفكار بين الخليج وأفريقيا، وعلى هذا الطريق كانت جزر المحيط الهندي، ومنها سيشل، نقاطًا على خريطة عالمٍ بحريٍّ متّصل.
إرثٌ ما زال حيًّا
ترك الحضور العُماني في شرق أفريقيا أثرًا لا يُمحى: في العمارة، واللغة السواحلية المطعّمة بالعربية، والأسماء، والتقاليد. وما زالت زنجبار تُوصف بأنها قطعةٌ من عُمان في أفريقيا. هذا الإرث المشترك مع البحر والتجارة هو ما يجعل علاقة عُمان بجزر المحيط الهندي، ومنها سيشل، أعمق من أن تبدأ مع الدبلوماسية الحديثة.

ستون تاون: مدينةٌ عالمية
قلب الإمبراطورية النابض كان ستون تاون، المدينة الحجرية في زنجبار. أزقّةٌ ضيّقة متعرّجة، وبيوتٌ من الحجر المرجاني، وأبوابٌ خشبية منقوشة صارت أيقونةً للمدينة. اجتمع فيها العرب والفرس والهنود والأفارقة والأوروبيون، فصارت بوتقةً حضارية نادرة. وقد أدرجت اليونسكو ستون تاون على قائمة التراث العالمي، اعترافًا بأنها شاهدٌ حيّ على تلاقي الثقافات حول تجارة المحيط الهندي. من قصورها، ومنها 'بيت العجائب'، حكم آل بوسعيد إمبراطوريةً عابرة للبحر.
كان اقتصادًا معولمًا قبل أن تُعرف العولمة، تلتقي فيه سلع ثلاث قارّات على رصيفٍ واحد.
القرنفل والعاج: ثروة الإمبراطورية
لم تقم الإمبراطورية على السيف، بل على التجارة. القرنفل الذي زُرع في زنجبار وبيمبا صار من أهمّ صادرات العالم، والعاج تدفّق من أعماق أفريقيا عبر قوافل تصل إلى الساحل ثم تُشحَن بحرًا. سيطرت زنجبار على هذه التجارة، وفرضت رسومها، وراكمت ثروةً جعلتها من أغنى موانئ المحيط الهندي. كان اقتصادًا معولمًا قبل أن تُعرف العولمة، تلتقي فيه سلع ثلاث قارّات.
السواحلية: لغةٌ وُلدت من اللقاء
أعمق ما تركه الحضور العُماني في أفريقيا لم يكن قصرًا ولا حصنًا، بل لغة. فاللغة السواحلية، لسان شرق أفريقيا، نسيجٌ من البانتو الأفريقية مطعّمٌ بمئات الكلمات العربية التي حملها التجّار والبحّارة. حتى اسمها، 'سواحيلي'، مشتقٌّ من 'السواحل' العربية. هذه اللغة الحيّة، التي يتكلّمها اليوم أكثر من مئة مليون إنسان، شاهدٌ دائمٌ على قرونٍ من اللقاء العُماني-الأفريقي عبر البحر.
كيف أفل هذا المجد؟
لم تدم الإمبراطورية إلى الأبد. فبعد وفاة سعيد بن سلطان انقسمت إلى سلطنتين، ثم تمدّد النفوذ البريطاني حتى صارت زنجبار محميةً بريطانية عام ١٨٩٠. تراجع القرنفل، وأُلغيت تجارة الرقيق، وتبدّلت موازين البحر مع البواخر التي لا تنتظر رياح الموسم. لكنّ الإرث بقي في الحجر واللغة والدم. الإمبراطوريات تزول، أمّا الأثر الحضاري فيبقى قرونًا بعدها.
لماذا يهمّ هذا سيشل؟
سيشل جزءٌ من الفضاء ذاته الذي حكمته هذه الإمبراطورية. فالكريول السيشيلي، لغة الجزر، وإن كان فرنسيّ الأصل، وُلد أيضًا من لقاء شعوبٍ على مفترق المحيط الهندي، تمامًا كما وُلدت السواحلية. والجزر التي مرّت بها مراكب زنجبار كانت جزءًا من عالمٍ بحريٍّ واحد. حين يقف الزائر العُماني في سيشل، فهو في طرفٍ من فضاءٍ عرفه أجداده، لا في أرضٍ غريبة عنهم.
تبقى هذه الإمبراطورية درسًا في أنّ العرب لم يكونوا يومًا غرباء عن البحر، بل من سادته. ولمن يزور سيشل من أبناء عُمان والخليج، ثمّة فخرٌ هادئ في معرفة أنّ هذا المحيط الذي يسبح فيه كان يومًا بحرًا عربيًّا، تحكمه رايةٌ انطلقت من مسقط، وتصل مراكبها إلى أبعد الجزر، حاملةً معها لغةً ودينًا وحضارة. هذا الفخر الهادئ جزءٌ مما يحمله الزائر العربي إلى شواطئ الجزر، فيرى فيها امتدادًا لتاريخه لا غربةً عنه.
