حصن نزوى في عُمان. المصدر: ويكيميديا كومنز
في مطلع القرن السادس عشر، فرضت البرتغال سطوتها على المحيط الهندي: احتلّت الموانئ، وبنت القلاع، وتحكّمت في طرق التجارة من هرمز إلى ممباسة. بدت هيمنةً لا تُقهر. لكنّ قوةً صاعدة من جنوب الجزيرة العربية كانت تستعدّ لتغيير المعادلة: سلطنة عُمان.
البرتغال سيّدة البحار
بعد أن التفّ البرتغاليون حول رأس الرجاء الصالح ودخلوا المحيط الهندي، أقاموا شبكةً من الحصون على طول السواحل: في الخليج، وعلى الساحل السواحلي في شرق أفريقيا. كان أبرز رموز هذه السطوة حصن المسيح (فورت جيسوس) في ممباسة، الذي بُني ليكون قبضة البرتغال على الساحل الأفريقي وطرق تجارته.
حصن المسيح في ممباسة
مع صعود الدولة اليعربية في عُمان، بدأت السلطنة تطرد البرتغاليين من موانئ الخليج ثم من الساحل الأفريقي. وبلغت هذه الحملة ذروتها عام ١٦٩٨ بسقوط حصن المسيح في ممباسة في يد العُمانيين بعد حصارٍ طويل. بهذا السقوط انهار العمود الفقري للوجود البرتغالي على الساحل السواحلي، وانتقلت السيادة على جزءٍ واسعٍ من الساحل إلى عُمان.
التحوّل
| الهيمنة السابقة | البرتغال، القرنان ١٦–١٧ |
| رمزها | حصن المسيح، ممباسة |
| القوة الصاعدة | الدولة اليعربية العُمانية |
| الحدث الفاصل | سقوط ممباسة ١٦٩٨ |
| النتيجة | نهاية الهيمنة البرتغالية على الساحل السواحلي |
محيطٌ تغيّرت موازينه
لم يكن سقوط ممباسة حدثًا محلّيًّا، بل نقطة تحوّلٍ في تاريخ المحيط الهندي كلّه. فقد فتح الطريق أمام الحضور العُماني الذي سيبلغ ذروته بعد قرنٍ ونصف مع إمبراطورية سعيد بن سلطان وعاصمتها زنجبار. المياه التي مرّت بها سفن سيشل لاحقًا صارت، منذ ١٦٩٨، مياهًا تحكمها قوةٌ عربية لا أوروبية.

الدولة اليعربية: من وحّد عُمان؟
خلف هذا الانتصار قوّةٌ صاعدة: الدولة اليعربية. فبعد قرونٍ من التشتّت والوجود البرتغالي على السواحل، وحّد الإمام ناصر بن مرشد اليعربي عُمان في مطلع القرن السابع عشر، وبنى جيشًا وأسطولًا. ثم جاء خلفه الإمام سلطان بن سيف، الذي أكمل المشروع بطرد البرتغاليين من مسقط عام ١٦٥٠، منهيًا وجودهم في عقر الدار العُمانية. من تلك اللحظة، لم تعد عُمان تدافع عن نفسها، بل بدأت تهاجم لتحرّر البحر.
من مسقط إلى ممباسة
لم يكتفِ العُمانيون بتحرير سواحلهم، بل حملوا المعركة إلى البرتغاليين في عقر مستعمراتهم الأفريقية. طاردت الأساطيل العُمانية البرتغال على طول الساحل السواحلي: ممباسة، وكيلوا، وبمبا، وزنجبار. تحوّلت عُمان من ضحيّةٍ للاستعمار البحري إلى قوّةٍ تحرّر غيرها منه. كان ذلك تحوّلًا نادرًا في التاريخ: قوّةٌ آسيوية-أفريقية تطرد قوّةً أوروبية من البحار قبل عصر الاستعمار الحديث بقرون.
تحوّلت عُمان من ضحيّةٍ للاستعمار البحري إلى قوّةٍ تحرّر غيرها منه.
حصار حصن المسيح
كانت المعركة الفاصلة عند حصن المسيح في ممباسة، أمنع القلاع البرتغالية على الساحل. حاصره العُمانيون حصارًا طويلًا امتدّ نحو ثلاث سنوات (١٦٩٦–١٦٩٨)، عانى فيه المدافعون الجوع والمرض حتى سقط الحصن أخيرًا عام ١٦٩٨. بسقوطه، انهار آخر معاقل البرتغال الكبرى شمال موزمبيق، وصار الساحل السواحلي كلّه تحت النفوذ العُماني. حصارٌ واحدٌ غيّر خريطة المحيط الهندي.
سرّ القوّة العُمانية
كيف تغلّبت سلطنةٌ صغيرة على أعظم قوّة بحرية في عصرها؟ الجواب في إتقان البحر. فالعُمانيون بنوا أسطولًا حديثًا، بعضه من سفنٍ استولوا عليها من البرتغال أنفسهم، وأتقنوا الملاحة والقتال البحري بخبرةٍ متوارثة. كما استفادوا من تململ السكّان المحلّيين من الحكم البرتغالي، فوجدوا فيهم حلفاء. القوّة البحرية، حين تجتمع بالخبرة والحليف، تصنع المعجزات، وهذا ما فعلته عُمان.
بحرٌ عادت مفاتيحه للعرب
بعد ١٦٩٨، صار المحيط الهندي الغربي بحرًا تتحكّم فيه قوّةٌ عربية لأول مرّةٍ منذ قرنين. المياه التي ستقع فيها سيشل لاحقًا على الخريطة، والطرق التي ستسلكها مراكب سعيد بن سلطان، صارت مياهًا وطرقًا عُمانية. حين نقرأ تاريخ هذه الجزر في قلب المحيط، لا بدّ أن نضع في الحسبان أنّ البحر المحيط بها لم يكن أوروبيًّا في تلك القرون، بل خضع لسيادةٍ عربية بدأت من مسقط.
وفي هذا الفصل ما يصحّح صورةً شائعة عن تاريخ المحيط الهندي: أنه لم يكن حكرًا على الأوروبيين. فقد كانت هناك لحظةٌ طويلة سادت فيها قوّةٌ عربية بحاره، وطردت أعتى إمبراطوريات أوروبا من سواحله. حين يعبر العُماني اليوم مياه سيشل، فهو يعبر بحرًا حرّره أجداده يومًا، وكتبوا فيه صفحةً من أمجاد أمّتهم لا ينبغي أن تُنسى. فتلك اللحظة، حين انتزعت سلطنةٌ عربية صغيرة سيادة البحر من أعظم قوّة في عصرها، تستحقّ أن تُروى لكل جيلٍ يظنّ أنّ البحار كانت دومًا أوروبية.
