ساحل خليج عُمان قرب مسقط. المصدر: ويكيميديا كومنز
في عرض البحر، بين شبه الجزيرة العربية وساحل أفريقيا الشرقي، طويت في أكتوبر ١٨٥٦ صفحةٌ من أعظم صفحات تاريخ المحيط الهندي. فعلى متن سفينةٍ متّجهة من مسقط إلى زنجبار، تُوفّي السلطان سعيد بن سلطان، باني إمبراطورية عُمان وزنجبار، قرب جزر سيشل. مات الرجل على الطريق البحري نفسه الذي جعل منه أعظم حكّام عصره.
من هو سعيد بن سلطان؟
حكم السيّد سعيد بن سلطان عُمان نحو نصف قرن (من مطلع القرن التاسع عشر حتى ١٨٥٦)، وحوّلها من سلطنةٍ ساحلية إلى قوةٍ بحرية تمتدّ من سواحل الخليج وبلوشستان إلى شرق أفريقيا. أدرك أنّ ثروة المستقبل في البحر والتجارة، فبنى أسطولًا، ووسّع نفوذ عُمان على طول الساحل السواحلي، حتى صارت زنجبار درّة إمبراطوريته.
في عام ١٨٤٠ اتّخذ قرارًا تاريخيًّا: نقل عاصمته الفعلية من مسقط إلى زنجبار، ليحكم إمبراطوريته من قلب أفريقيا الشرقية. ازدهرت تجارة القرنفل والعاج، وربطت مراكبه موانئ الخليج بالساحل الأفريقي عبر رياح الموسم، مرورًا بجزر المحيط الهندي ومنها سيشل.
كان سعيد بن سلطان أول من أدرك أنّ عظمة عُمان تُبنى على الماء لا على اليابسة.
الرحلة الأخيرة
في أكتوبر ١٨٥٦ أبحر السلطان الطاعن في السنّ من مسقط عائدًا إلى زنجبار، عاصمته المحبوبة. لكنّ المرض أدركه في الطريق، ففاضت روحه على متن سفينته في عرض البحر، قبل أن يبلغ وجهته. تذكر الروايات المتواترة أنّ وفاته كانت قرب جزر سيشل، على الممرّ البحري الذي يصل عُمان بممتلكاتها الأفريقية. حُمل جثمانه إلى زنجبار حيث ووري الثرى.
سعيد بن سلطان في سطور
| الحكم | سلطان مسقط وعُمان، نحو ١٨٠٤–١٨٥٦ |
| الإنجاز | بناء إمبراطورية عُمان وزنجبار البحرية |
| العاصمة | نقلها إلى زنجبار عام ١٨٤٠ |
| الوفاة | في البحر، أكتوبر ١٨٥٦، قرب سيشل |
| المدفن | زنجبار |
لماذا كانت سيشل على طريقه؟
ليست وفاة السلطان قرب سيشل مصادفةً جغرافية، بل شهادةٌ على موقع هذه الجزر. فأرخبيل سيشل يقع على الممرّ البحري الذي تسلكه المراكب بين جنوب الجزيرة العربية وشرق أفريقيا، تدفعها رياح الموسم. حين أبحر سعيد بن سلطان بين مسقط وزنجبار، مرّ في مياهٍ كانت سيشل معلمًا عليها. وهكذا صار قبرُ رحلته الأخيرة موصولًا بذاكرة هذه الجزر.

قرنفل زنجبار: لماذا نقل عاصمته؟
لم يكن نقل العاصمة إلى زنجبار نزوةً، بل حسابًا اقتصاديًّا بارعًا. فقد أدرك سعيد بن سلطان أنّ ثروة إمبراطوريته صارت في أفريقيا، فأدخل زراعة القرنفل إلى زنجبار وبيمبا حتى صارتا من أكبر منتجي القرنفل في العالم. ومع القرنفل، ازدهرت تجارة العاج التي تدفّقت من قلب أفريقيا إلى موانئ الساحل. صارت زنجبار سوقًا عالمية يقصدها التجّار من الهند والخليج وأوروبا وأمريكا، وتنبض بحركةٍ لم تعرفها مسقط.
أسطولٌ عربيٌّ يهابه البحر
بنى سعيد بن سلطان قوّةً بحرية جعلت عُمان تُحسَب بين قوى المحيط الهندي. امتلك سفنًا حربية وتجارية حديثة، وأرسل عام ١٨٤٠ سفينته 'سلطانة' إلى مدينة نيويورك، في أول زيارةٍ لسفينةٍ عربية إلى الولايات المتحدة، فأحدثت ضجّةً في الصحافة الأمريكية. لم تكن تلك مجرّد رحلة تجارية، بل إعلانٌ بأنّ عُمان قوّةٌ بحرية عالمية تصل مراكبها إلى الضفّة الأخرى من الأطلسي، لا المحيط الهندي وحده.
السلطان الذي وحّد ضفّتَي المحيط تحت رايةٍ واحدة، لفظ أنفاسه في المياه التي تتوسّط إمبراطوريته.
الوجه الآخر: ازدهارٌ وظلال
لا يكتمل الصدق التاريخي دون ذكر الوجه القاتم لتلك الحقبة. فاقتصاد زنجبار الذي ازدهر بالقرنفل والعاج قام أيضًا على تجارة الرقيق التي كانت سوق زنجبار من أكبر أسواقها في المنطقة. هذه حقيقةٌ مؤلمة في تاريخ المحيط الهندي كلّه، لا تخصّ عُمان وحدها بل كانت جزءًا من نظامٍ عالميٍّ ظالم أنهته الضغوط والقوانين في القرن التاسع عشر. ذكرها لا يقلّل من عظمة الإنجاز البحري، لكنه يجعل قراءة التاريخ أمينةً لا انتقائية.
موتٌ يربط الجزر بذاكرة عُمان
حين مات هذا الرجل العظيم في مياه سيشل، لم تكن الجزر مجرّد مسرحٍ عابر لوفاته، بل صارت موصولةً باسم ذروة التاريخ البحري العُماني إلى الأبد. فالسلطان الذي وحّد ضفّتَي المحيط لفظ أنفاسه الأخيرة في المياه التي تتوسّط إمبراطوريته. لأيّ عُمانيٍّ يعرف تاريخه، تحمل هذه الجزر ذكرى سلطانٍ لا يُنسى، وتصير زيارتها نوعًا من العبور في ذاكرة البحر التي صنعت مجد بلاده.
ولعلّ في هذه القصّة ما يجعل زيارة العُماني لسيشل مختلفة. فهو لا يقصد وجهةً غريبة، بل مياهًا تحمل ذكرى أعظم سلاطين بلاده. كل موجةٍ هناك صدى تاريخٍ عُمانيّ، وكل أفقٍ بحريّ امتدادٌ لإمبراطوريةٍ حكمها الأجداد وطووا بحارها على أشرعتهم.
