جزيرة لا ديغ، حيث موّلت الإمارات مستشفًى حديثًا. المصدر: ويكيميديا كومنز
على جزيرة لا ديغ، حيث تحلّ الدرّاجات الهوائية وعربات الثيران محلّ السيارات، وحيث لا يتجاوز عدد السكّان بضعة آلاف، يقف مبنًى لا يتوقّع الزائر أن يجده: مستشفًى حديثٌ متكامل. وخلف هذا المستشفى قصةٌ من أوثق فصول العلاقة بين سيشل والإمارات.

حين تكون الجزيرة صغيرة، والبحر فاصلًا
في الجزر الصغيرة، تصير الرعاية الصحّية مسألة جغرافيا قبل أن تكون مسألة تجهيز. فالمريض في لا ديغ كان، قبل أيّ طارئ، مرتبطًا بعبورٍ بحريٍّ إلى براسلين ثم ماهي. لذلك فإنّ وجود مستشفًى مجهّزٍ على الجزيرة نفسها ليس ترفًا، بل فارقٌ في الحياة والموت أحيانًا، وطمأنينةٌ دائمة لأهلها وزوّارها.
تبرّعٌ إماراتيٌّ يقارب أربعة ملايين دولار
موّلت دولة الإمارات بناء مستشفًى حديثٍ متكامل على لا ديغ بتبرّعٍ يقارب أربعة ملايين دولار. لجزيرةٍ بهذا الحجم، يعني ذلك قفزةً نوعية: أسرّةٌ مجهّزة، وخدماتٌ لم تكن متاحة على الجزيرة من قبل، وتقليصٌ للحاجة إلى نقل المرضى عبر البحر في كل حالة. المبلغ نفسه قد يبدو صغيرًا في ميزانيات الدول، لكنّ أثره على مجتمعٍ من بضعة آلاف هائل.
حقائق
| الجزيرة | لا ديغ، ثالث كبرى جزر سيشل المأهولة |
| المشروع | مستشفًى حديثٌ متكامل |
| التمويل | تبرّعٌ إماراتيٌّ يقارب ٤ ملايين دولار |
| الأثر | رعايةٌ على الجزيرة تقلّل النقل البحري للمرضى |
لا ديغ: جزيرةٌ بلا سيّارات
لفهم قيمة المستشفى، لا بدّ من معرفة لا ديغ. فهي ثالث كبرى جزر سيشل المأهولة، يسكنها نحو ثلاثة آلاف نسمة، وتشتهر بأنّها جزيرةٌ تكاد تخلو من السيّارات: تتنقّل عليها الدرّاجات الهوائية وعربات الثيران، وشاطئ آنس سورس دارجان فيها من أشهر شواطئ العالم. هذا السحر البدائيّ نعمةٌ للسائح، لكنه تحدٍّ في الطوارئ. فحين يمرض أحدٌ في جزيرةٍ بلا إسعافٍ سريع، تصير الدقائق ثمينة، ويصير وجود مستشفًى مجهّزٍ على الأرض نفسها فارقًا حقيقيًّا.
الجغرافيا التي تصنع جمال الجزيرة هي ذاتها التي تجعل الرعاية القريبة نعمة.
حين كان البحر هو الطبيب البعيد
قبل تجهيز المستشفى، كان المريض الذي يحتاج رعايةً متقدّمة في لا ديغ يواجه رحلةً مضنية: قاربٌ إلى براسلين، ثم آخر أو طائرة إلى ماهي حيث المستشفى المركزي. في الحالات الحرجة، قد يكون هذا العبور البحري الفارق بين النجاة والفقد. لذلك فإنّ رفع قدرة مستشفى لا ديغ لا يعني أسرّةً أكثر فحسب، بل يعني أنّ كثيرًا من الحالات صارت تُعالَج دون تحميل المريض عناء البحر ومخاطره. الجغرافيا التي تصنع جمال الجزيرة هي ذاتها التي كانت تُبعِد عنها الطبيب.
أبعد من المبنى: تحديث الخدمة العامة
لم تقف الشراكة الصحّية عند جدرانٍ ومعدّات. ففي عام ٢٠٢٢ وقّعت سيشل مع الإمارات اتفاقًا لتحديث وتطوير خدمتها العامة، في تعاونٍ ينقل الخبرة الإدارية والتقنية إلى مؤسّسات الدولة. هكذا امتدّ العون من البنية الصلبة، مستشفًى وماءً ومساكن، إلى البنية الناعمة: كيف تُدار الخدمات التي تلمس المواطن كل يوم.
ويضاف مستشفى لا ديغ إلى سجلٍّ إماراتيٍّ في صحّة الجزر: من جرعات لقاح كوفيد التي جعلت سيشل من أكثر دول العالم تطعيمًا، إلى تحديث الخدمة العامة، إلى المستشفى نفسه. ثلاثة فصولٍ في ملفٍّ واحد اسمه صحّة السيشيليين، كتبتها اليد الإماراتية على مدى سنوات. وحين تتكرّر المساهمة في المجال ذاته، تتحوّل من لفتةٍ عابرة إلى التزامٍ راسخ.
لماذا يذهب العون إلى الأطراف؟
اللافت في هذا الفصل أنّ العون قصد جزيرةً صغيرة نائية، لا العاصمة حيث الأضواء. وهذا يكشف فلسفةً في العون الإماراتي: الذهاب إلى حيث الحاجة أمسّ، لا إلى حيث الصورة أجمل. مستشفًى على جزيرةٍ من ثلاثة آلاف نسمة لا يصنع عناوين عالمية، لكنه يصل إلى من قد ينساهم التخطيط المركزي. حين يُبنى مرفقٌ صحّيٌّ في طرفٍ بعيد، فذلك أبلغ من عشرة مشاريع في المركز.
وماذا يعني للزائر؟
لا ديغ من أكثر جزر سيشل جذبًا للسيّاح، يقصدها الآلاف سنويًّا لشواطئها ومحمياتها. ووجود مستشفًى حديثٍ عليها طمأنينةٌ للزائر أيضًا، لا لأهلها وحدهم: فمن يقضي إجازته على جزيرةٍ نائية يطمئنّ حين يعلم أنّ الرعاية قريبة إن دعت الحاجة. هكذا يخدم العون الإماراتي المقيم والضيف معًا، ويجعل من جمال الجزيرة جمالًا آمنًا.
وفي النهاية، تبقى قصة مستشفى لا ديغ أبلغ من حجمها المالي المتواضع. فالمقياس الحقيقي للعون ليس عدد أصفاره، بل عدد الأرواح التي يطمئنها. على جزيرةٍ من ثلاثة آلاف نسمة، مستشفًى قريبٌ يساوي أكثر بكثير مما يقوله الرقم في الميزانية، لأنه يشتري طمأنينةً لا تُقدَّر بثمن.
