أفق مدينة الكويت على ساحل الخليج، رمز الدولة التي جعلت من صندوقها التنموي جسرًا إلى أكثر من مئة دولة. المصدر: ويكيميديا كومنز
في السابع عشر من نوفمبر ٢٠١٤، جلس في قصر الدولة بفيكتوريا رئيس سيشل جيمس ميشيل إلى جانب ضيفٍ من الكويت: هشام الوقيان، نائب المدير العام للصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية. أمامهما وثيقةٌ بثمانية ملايين ونصف المليون دولار، تموّل مدرسةً جديدة للزراعة والبستنة وإعادة بناء مدرسة لا روزيير الابتدائية في العاصمة. لم يكن ذلك اليوم بدايةً، بل حلقةٌ في شراكةٍ هادئة بدأت قبل ثلاثين عامًا، حين قرّرت دولةٌ خليجية صغيرة أن تُقرض دولةً جزرية أصغر لتبني بها مدارسها.
صندوقٌ وُلد مع الاستقلال
حين استقلّت الكويت مطلع الستينيات، لم تنتظر أن تكبر لتساعد غيرها. ففي ديسمبر ١٩٦١ أسّس الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح، وزير المالية آنذاك، الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية، ليكون أول وكالة عونٍ إنمائيٍّ في العالم تؤسّسها دولةٌ نامية بأموالها وحدها. الفكرة كانت بسيطة وجريئة: أن يُوجَّه نفط الكويت الوليد إلى تنمية الجيران والأصدقاء، لا إلى الخزائن وحدها. هكذا صار الصندوق ذراع الكويت التي تمدّها إلى العالم النامي، قبل أن تكتمل للكويت نفسها كامل نهضتها العمرانية.
بدأ الصندوق مقصورًا على الدول العربية، ثم وسّع ولايته عام ١٩٧٤ لتشمل الدول النامية كافّةً في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. وبلغ رأسماله ملياري دينارٍ كويتي عام ١٩٨١، فصار منذئذٍ ممولًا لنفسه: تعود إليه أقساط قروضه القديمة فيُقرضها من جديد في دورةٍ لا تنضب. وبحلول أوائل ٢٠١٥ كان قد التزم بقروضٍ ميسّرة تتجاوز ثمانية عشر ملياراً ومئتَي مليون دولار، أفادت مئةً وأربع دولٍ حول العالم، منها أربعون دولة أفريقية. هذا هو الثقل الذي جاء يقف خلف مدرسةٍ صغيرة في فيكتوريا.

منذ ١٩٨٥: شراكةٌ أطول من ربع قرن
العلاقة بين الصندوق وسيشل ليست وليدة الأمس. فقد بدأت عام ١٩٨٥، حين كانت سيشل جمهوريةً فتيّة لم يمرّ على استقلالها عقدٌ كامل. ومنذ ذلك الحين عمل الصندوق الكويتي في صمتٍ مع جزرٍ يقلّ سكّانها عن مئة ألف، يموّل مشاريع بنيةٍ تحتية بعيدًا عن الأضواء والعناوين. وحين وقف نائب المدير العام هشام الوقيان في فيكتوريا عام ٢٠١٤، عبّر عن سعادة الصندوق بالعلاقة التي بناها مع سيشل منذ ذلك التاريخ. ثلاثون عامًا من العمل المتّصل، لا لفتةٌ عابرة.
٢٠١٤: قرضٌ لمدرسةٍ ومزرعة
القرض الموقّع في نوفمبر ٢٠١٤، وقيمته ثمانية ملايين ونصف المليون دولار، جمع مشروعين في وثيقةٍ واحدة. الأول بناء مدرسةٍ جديدة للزراعة والبستنة، وهو استثمارٌ بالغ الدلالة لأرخبيلٍ يستورد جُلّ غذائه ويصارع من أجل أمنه الغذائي على أرضٍ محدودة. والثاني إعادة تأهيل مدرسة لا روزيير الابتدائية في قلب العاصمة فيكتوريا، لتخدم أجيالًا من أطفال الحيّ في مبانٍ حديثة. قرضٌ واحد يمسّ طرفَي حياة الجزيرة: ما يأكله أهلها، وما يتعلّمه أبناؤها.
بطاقة القرض
| التاريخ | ١٧ نوفمبر ٢٠١٤ |
| القيمة | ٨٫٥ مليون دولار |
| المشروع الأول | مدرسة الزراعة والبستنة |
| المشروع الثاني | إعادة بناء مدرسة لا روزيير الابتدائية، فيكتوريا |
| الموقّعان | جيمس ميشيل · هشام الوقيان (نائب المدير العام) |
| بداية الشراكة | ١٩٨٥ |
جرى التوقيع في قصر الدولة، وحضره إلى جانب الرئيس ميشيل والوقيان وزير المالية والتجارة والاستثمار بيير لابورت، والمستشار الدبلوماسي للرئيس السفير كاليكست دوفيه، والمدير الإقليمي للصندوق لوسط أفريقيا وشرقها وجنوبها عبد الرحمن الهاشم. ورحّب الرئيس ميشيل باهتمام الصندوق الكويتي بسيشل، ووصف العلاقة بأنّها شراكةٌ يربح فيها الطرفان، مشيرًا إلى أنّ اقتصاد بلاده قوي بعد سنواتٍ من الإصلاح، وأنّ الباب مفتوحٌ لتحديد مشاريع جديدة معًا.
«لن يكون هذا القرض الأخير»
لم يُطوَ الاجتماع عند حدود الوثيقة. فقد أكّد هشام الوقيان أنّ القرض الموقّع لن يكون آخر ما يقدّمه الصندوق، وأنّ الكويت ستبقى شريكًا لسيشل، وأنّه يعتزم عقد لقاءٍ مع وزير المالية الكويتي لبحث مشاريع مقبلة. وذكر أنّ من بين ما نوقش مشاريع في الصحّة كالمستشفيات، ومشاريع زراعية. بهذا صار القرض بابًا لا سقفًا: وعدٌ بأنّ الصندوق الذي بنى مدرسةً اليوم قد يبني مستشفًى غدًا.
لماذا مدرسة زراعةٍ على جزيرة؟
قد يبدو غريبًا أن تختار مؤسّسةٌ خليجية تمويل مدرسة زراعةٍ على جزيرةٍ في المحيط الهندي. لكنّ في الاختيار حكمة: سيشل، كأغلب الدول الجزرية الصغيرة، تعتمد على استيراد طعامها، وكلّ خطوةٍ نحو زراعةٍ محلّية هي خطوةٌ نحو صمودٍ أمام تقلّبات الأسعار وانقطاع سلاسل الإمداد. ومدرسة الزراعة والبستنة تصنع الأيدي التي تزرع: فنّيين ومزارعين يعرفون تربة الجزر ومناخها. أمّا لا روزيير الابتدائية، فمدرسة حيٍّ في فيكتوريا تخدم مئات الأطفال. حين يذهب العون إلى فصلٍ دراسيٍّ وحقلٍ صغير، فإنّه يذهب إلى المستقبل مباشرةً، لا إلى واجهةٍ تلتقط الصور.
نموذجٌ خليجيٌّ في التنمية
سرّ الصندوق الكويتي في شروط قروضه لا في حجمها فحسب. فهي قروضٌ ميسّرة: فوائد منخفضة، وآجال سدادٍ طويلة تمتدّ عقودًا. لدولةٍ صغيرة كسيشل، محدودة الوصول إلى أسواق المال العالمية، يعني ذلك تمويل مشاريع حيوية دون أن ترزح تحت ديونٍ خانقة. وليست العلاقة تجارةً متبادلة، فالكويت لا تصدّر إلى سيشل سلعًا تُذكر، ولا سيشل تصدّر إليها كثيرًا. إنّها علاقة عونٍ إنمائيٍّ خالص: مالٌ خليجيٌّ يُقرَض بشروطٍ رحيمة ليبني مدارس وشبكات ومستشفيات في جزرٍ بعيدة، ضمن تقليدٍ عربيٍّ في التكافل عمره ستّون عامًا.
والصندوق الكويتي ليس وحده في هذا الميدان. فهو جزءٌ من عائلةٍ من صناديق التنمية الخليجية والعربية التي تعمل في سيشل: صندوق أبوظبي للتنمية موّل أول مزرعة رياحٍ في الجزر، وصندوق التنمية السعودي موّل كهرباء جنوب ماهي وإعادة بناء مدرسة لا ديغ، والمصرف العربي للتنمية الاقتصادية في أفريقيا شارك في مشاريع الطاقة. تقف هذه الصناديق، من الكويت والرياض وأبوظبي، خلف بنية سيشل التحتية في صمت. والصندوق الكويتي أقدمها عهدًا مع الجزر، إذ سبق أخواته إليها بعقود، منذ ١٩٨٥.
المصادر والتحقّق
- [١] مجلس الدولة السيشيلي · الرئيس ميشيل يستقبل نائب المدير العام للصندوق الكويتي ↗
- [٢] allAfrica · الصندوق الكويتي للتنمية يخطّط لمزيدٍ من المشاريع مع سيشل ↗
- [٣] الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية · الموقع الرسمي ↗
- [٤] Wikipedia · الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية ↗
- [٥] allAfrica · الصندوق الكويتي: شريكٌ في التنمية ↗
- [٦] Al Abdulhadi Engineering · مشروع مدرسة لا روزيير الابتدائية، سيشل ↗
