حيّ الملك عبد الله المالي في الرياض، رمز الاقتصاد السعودي الذي يقف خلف صندوق التنمية. المصدر: ويكيميديا كومنز
في الثلاثين من سبتمبر ٢٠٢٣، وقف الرئيس السيشيلي وافيل رامكالاوان ونائبه أحمد عفيف في محطة آنس رويال جنوب جزيرة ماهي، إلى جانب ضيفٍ من الرياض: سلطان المرشد، الرئيس التنفيذي لصندوق التنمية السعودي. كانوا يفتتحون شبكة كهرباء. في ذلك الأسبوع تحديدًا صار المال التنموي السعودي مرئيًّا في جنوب الجزيرة، أولًا في خطوط الكهرباء، ثم في بيوتٍ تُبنى ومدرسةٍ تُعمَّر. لا عناوين برّاقة، بل أساسات.
صندوقٌ عمره نصف قرن
تأسّس صندوق التنمية السعودي عام ١٩٧٤، ونذر نفسه لدعم التنمية المستدامة في الدول النامية والدول الجزرية الصغيرة حول العالم. وعلى مدى نصف قرن، نفّذ أكثر من سبعمئة مشروعٍ تنموي بقيمةٍ تتجاوز ثمانية عشر مليارًا وسبعمئة مليون دولار في أكثر من تسعين دولة. هذا هو الوزن الذي جاء يقف خلف جزرٍ عدد سكّانها أقلّ من مئة ألف: مؤسّسة تمويلٍ خليجية عريقة، خبرتها في التنمية أطول من عمر كثيرٍ من الدول التي تساعدها.
الكهرباء أولًا: شبكة جنوب ماهي
أقلّ الهدايا بريقًا كانت الأهمّ: الكهرباء. فقد موّل الصندوق مشروع شبكة النقل الكهربائية بجهد ثلاثةٍ وثلاثين كيلوفولت في جنوب ماهي. أسهم الصندوق السعودي بعشرين مليون دولار، ضمن قرضٍ مشترك بقيمة واحدٍ وثلاثين مليونًا مع المصرف العربي للتنمية الاقتصادية في أفريقيا، وبلغت الكلفة الكلّية نحو ثلاثين مليونًا وتسعمئة ألف دولار بمشاركة حكومة سيشل وشركة المرافق العامة. بدأت فكرة المشروع عام ٢٠١٧، واكتمل في ٢٠٢٣.
افتُتح المشروع رسميًّا في الثلاثين من سبتمبر ٢٠٢٣ في محطة آنس رويال، بحضور الرئيس رامكالاوان ونائبه أحمد عفيف، والرئيس التنفيذي للصندوق سلطان المرشد، ووزير الزراعة والبيئة فلافيان جوبير. صُمّمت الشبكة لتلبية طلب الجنوب على الكهرباء لعشرين عامًا مقبلة، وربطِ منشآتٍ سياحية ومنازل في الجنوب كانت خارج الشبكة الوطنية من قبل. ورافقها افتتاح مكتبَي خدمة عملاء لشركة المرافق في بروفيدنس وآنس رويال. الكهرباء هي الأساس الذي يقوم عليه كل ما بعده.
الكهرباء في أرقام
| المشروع | شبكة ٣٣ كيلوفولت، جنوب ماهي |
| حصّة الصندوق السعودي | ٢٠ مليون دولار |
| القرض المشترك | ٣١ مليون دولار (مع المصرف العربي للتنمية في أفريقيا) |
| الكلفة الكلّية | نحو ٣٠٫٩ مليون دولار |
| الافتتاح | ٣٠ سبتمبر ٢٠٢٣، محطة آنس رويال |
| الأثر | يكفي طلب الجنوب ٢٠ عامًا |
ثم البيوت: خمسةَ عشرَ مليونًا للإسكان
قبل الافتتاح بيوم، في التاسع والعشرين من سبتمبر ٢٠٢٣، وقّع سلطان المرشد اتفاقيتَي قرضٍ بقيمة خمسةٍ وعشرين مليون دولار مع وزير المالية والتخطيط الوطني والتجارة ناظر حسن. القرض الأول، بخمسةَ عشرَ مليونًا، يموّل مشروع الإسكان الاجتماعي: وحداتٍ سكنية ميسورة للأسر محدودة الدخل في مناطق مختلفة من البلاد، تهدف إلى العدالة الاجتماعية وتحسين مستوى المعيشة، مع مرافق عامة وشبكات صرف. لأسرةٍ سيشيلية شابّة تصارع محدودية الأرض وارتفاع كلفة البناء على أرخبيل، هذا انتقالٌ من الانتظار إلى مفتاح بيت.
ثم المدرسة: عشرةٌ لمدرسة لا ديغ

القرض الثاني، بعشرة ملايين دولار، يموّل إعادة بناء مدرسة لا ديغ. وتفصيلٌ يجعل المشروع ملموسًا: مدرسة لا ديغ هي المدرسة الوحيدة في سيشل التي يجتمع فيها التعليمان الابتدائي والثانوي في مجمّعٍ واحد، بينما هما منفصلان في ماهي وبراسلين. فيها أكثر من خمسمئة طالب، وبعض مبانيها يعود إلى ستّين عامًا خلت. المدرسة الجديدة أكبر، بغرفٍ تقنية ومساحةٍ للتوسّع، ومرافق تشمل ملعبًا متعدّد الأغراض، ومسرحًا مكشوفًا، ومواقف للدرّاجات تليق بجزيرة الدرّاجات، وأعمال صرفٍ صحّي.
يجري العمل على مراحل بسبب الحاجة إلى نقل الطلّاب. وقد وضع الرئيس باتريك هيرمِني حجر الأساس ضمن احتفالات لا ديغ بعيد استقلالها الخمسين، تحت شعار «الاستثمار في التعليم، صناعة الأمّة». وانتقل طلّاب الثانوية إلى مجمّعٍ جديد في مارس ٢٠٢٦ لتبدأ أعمال إعادة البناء، على أن يكتمل المشروع في ٢٠٢٦. جيلٌ كامل من أطفال لا ديغ سيتعلّم في فصولٍ أسهمت الرياض في بنائها.
القرضان في أرقام
| إجمالي الاتفاقيتين | ٢٥ مليون دولار (٢٩ سبتمبر ٢٠٢٣) |
| مشروع الإسكان | ١٥ مليون دولار |
| مدرسة لا ديغ | ١٠ ملايين دولار |
| الموقّعان | سلطان المرشد · ناظر حسن |
| حجر الأساس | الرئيس هيرمِني، عيد استقلال لا ديغ الخمسين |
لماذا الجنوب والجزيرة الصغيرة؟
اللافت أنّ المال السعودي ذهب إلى حيث هو أقلّ ظهورًا وأمسّ حاجة: خطوط كهرباء، وبيوتٌ لأسرٍ محدودة الدخل، ومدرسةٌ على جزيرةٍ صغيرة. لا إلى واجهاتٍ تلتقط الصور. وتنسجم المشاريع الثلاثة مع أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، تحديدًا التعليم الجيّد، وتقليل الفوارق، والمدن والمجتمعات المستدامة. هذه هي شخصية العلاقة التنموية بين الصندوق وسيشل: الأساسات، بهدوء.
خيطٌ متّصل، لا لفتةٌ عابرة
ليست مشاريع ٢٠٢٣ حدثًا منعزلًا، بل حلقةٌ في شراكةٍ تنموية ممتدّة بين الصندوق وسيشل، ضمن عقودٍ من عمله مع الدول الجزرية الصغيرة. وقد سارت هذه المشاريع على الأرض بالتوازي مع المسار الدبلوماسي، إذ وقّع وزيرا خارجية البلدين بعد أسابيع، في نوفمبر ٢٠٢٣، اتفاقية تعاونٍ عام في الرياض. المال في الميدان، والإطار على الورق، في العام نفسه.
حين يؤرَّخ للعلاقة بين سيشل والسعودية، سيقف أسبوع أواخر سبتمبر ٢٠٢٣ بين أكثر فصولها ملموسية. لا صورةَ قمّةٍ، بل محطّةٌ كهربائية تُشغَّل، وبيوتٌ ترتفع، ومدرسةٌ تُعاد. الصداقة مترجَمةً إلى إسمنتٍ وكابلٍ وطباشير.
المصادر والتحقّق
- [١] صندوق التنمية السعودي · افتتاح شبكة نقل الكهرباء ٣٣ كيلوفولت جنوب ماهي ↗
- [٢] Arab News · إطلاق شبكة نقل الطاقة الممولة سعوديًّا في سيشل ↗
- [٣] صندوق التنمية السعودي · توقيع اتفاقيتَي قرضٍ لتعزيز البنية الاجتماعية في سيشل ↗
- [٤] وكالة أنباء سيشل · إعادة بناء مدرسة لا ديغ بتمويل الصندوق السعودي ↗
- [٥] مجلس الدولة السيشيلي · الرئيس هيرمِني يضع حجر أساس مدرسة لا ديغ ↗
- [٦] Asharq Al-Awsat · قروضٌ تنموية سعودية لسيشل بقيمة ٢٥ مليون دولار ↗
- [٧] وكالة أنباء سيشل · قرضٌ بـ٣١ مليون دولار من الصندوق السعودي والمصرف العربي لتحسين الكهرباء ↗
