جزيرة ماهي، قلب سيشل. من هنا تُدار علاقةٌ هادئة مع أكبر اقتصادات المنطقة.
بعض العلاقات بين الدول صاخبة، تتصدّر العناوين وتتقلّب مع الأحداث. وبعضها هادئ الإيقاع، ثابت الاتجاه، يبني ببطءٍ ما يدوم. علاقة سيشل بالسعودية من النوع الثاني: ربع قرنٍ من الودّ المتدرّج، بلا ضجيج، ثم انفجارٌ مفاجئ من المشاريع في عامٍ واحد. قصةٌ تستحقّ أن تُروى، لأنها تكشف كيف تصنع الدول الصغيرة علاقاتها الكبرى.
عام ٢٠٠٠: البداية الرسمية
أقامت جمهورية سيشل والمملكة العربية السعودية علاقاتهما الدبلوماسية الرسمية عام ٢٠٠٠. وفي سبتمبر ٢٠٢٣ احتفل البلدان بمرور ثلاثةٍ وعشرين عامًا على هذه العلاقة. لم تكن تلك السنوات حافلةً بالأحداث الكبرى ولا بالزيارات المتبادلة الرفيعة، لكنها كانت تراكمًا ثابتًا للثقة على نارٍ هادئة، مهّد لانطلاقة ٢٠٢٣ حين تسارعت الخطى فجأة. أحيانًا يكون الصمت الطويل تمهيدًا لا فراغًا.
كيف تدير جزيرةٌ صغيرة دبلوماسيتها الخليجية؟

لا تملك سيشل، وهي دولةٌ من مئة ألف نسمة، سفاراتٍ في كل عاصمة. لذلك تدير شؤونها مع السعودية عبر بعثتها الدبلوماسية في دولة الإمارات بأبوظبي. وتغطّي هذه البعثة رقعةً واسعة تشمل، إلى جانب السعودية، البحرين والإمارات والكويت والأردن ولبنان وباكستان ودولًا أخرى في المنطقة. هكذا تجمع دولةٌ جزرية صغيرة أذرعها الدبلوماسية في مركزٍ واحد، فتصل إلى إقليمٍ بأكمله من نقطةٍ واحدة. هذه هي دبلوماسية الدول الصغيرة: لا تملك الانتشار، فتُتقن التركيز.
كيف يصل العون السعودي؟
تقدّم السعودية عونها التنموي عبر قنواتٍ راسخة. فثنائيًّا، يمرّ الدعم غالبًا عبر صندوق التنمية السعودي ومركز الملك سلمان للإغاثة، بأولويةٍ للدول الأقلّ نموًّا والأمن الغذائي والماء النظيف والصحّة والنقل والطاقة. ومتعدّد الأطراف، تعمل المملكة عبر منظّمة التعاون الإسلامي والبنك الإسلامي للتنمية، ومقرّه جدّة، الذي تأسّس عام ١٩٧٣ بدعمٍ من الملك فيصل وبدأ عمله عام ١٩٧٥، وتضمّ عضويته سبعًا وخمسين دولة، السعودية أكبر مساهميها. وسيشل تصلها المساعدة عبر القناة الثنائية للصندوق السعودي مباشرةً، كما في مشاريع الكهرباء والإسكان والمدرسة.
العلاقة في سطور
| بدء العلاقات | عام ٢٠٠٠ |
| ٢٣ عامًا | سبتمبر ٢٠٢٣ |
| الإدارة | عبر سفارة سيشل في أبوظبي |
| قناة العون | صندوق التنمية السعودي (ثنائيًّا) |
| انفجار ٢٠٢٣ | قروض ٢٥ مليونًا · كهرباء جنوب ماهي · اتفاقية تعاون |
انفجار ٢٠٢٣
كان عام ٢٠٢٣ نقطة التحوّل بلا منازع. ففي أشهرٍ قليلة من ذلك العام، افتتح الصندوق السعودي شبكة كهرباء جنوب ماهي بحضور الرئيس رامكالاوان، ووقّع قرضين بقيمة خمسةٍ وعشرين مليون دولار لإسكان السيشيليين ومدرسة لا ديغ، ثم وقّع وزيرا الخارجية اتفاقية تعاونٍ عام في الرياض على هامش أول قمّةٍ سعودية-أفريقية. علاقةٌ ظلّت لعقدين في طور المجاملات الرسمية، قفزت فجأة إلى طور المشاريع الملموسة والأطر المؤسّسية. هذا هو نضج العلاقات: أن تصمت طويلًا، ثم تتكلّم بالأفعال دفعةً واحدة.
الودّ المشترك
خلف هذه العلاقة أرضيةٌ إنسانية ودينية مشتركة تفسّر طبيعتها. فمسلمو سيشل، وإن كانوا أقلّية، يشدّون قلوبهم إلى الحرمين في السعودية، وهو رأس مالٍ رمزيٌّ لا ينفد. والبلدان يلتقيان في هموم الدول الجزرية والساحلية أمام تغيّر المناخ، وفي رغبةٍ مشتركة بتنويع الاقتصاد بعيدًا عن مصدرٍ واحد. هذه الأرضية هي ما يجعل الودّ بينهما طبيعيًّا، لا مصطنعًا، ويجعل العون السعودي يذهب بلا حساباتٍ معقّدة إلى حيث الحاجة.
ماذا تقدّم جزيرةٌ صغيرة لمملكةٍ كبيرة؟
قد يُظنّ أن العلاقة أخذٌ من طرفٍ وعطاءٌ من آخر، لكنها ليست كذلك. فالدول الصغيرة تملك ما تقدّمه في السياسة الدولية: صوتٌ في المحافل. لسيشل صوتٌ كامل في الأمم المتحدة وفي الاتحاد الأفريقي وسائر المنابر، يساوي في التصويت صوت أكبر الدول. وحين تبني السعودية جسورًا مع دولٍ أفريقية وجزرية صغيرة، فهي تنسج شبكةً من الودّ تخدمها في قممها ومبادراتها، كالقمّة السعودية-الأفريقية التي جمعت خمسين قائدًا في الرياض. صداقة سيشل، وإن صغُرت مساحتها، ورقةٌ في هذا النسيج، لا هامش فيه.
وتقدّم سيشل ما هو أبعد من التصويت: موقعًا في قلب المحيط الهندي على خطوط الملاحة بين آسيا وأفريقيا، واستقرارًا سياسيًّا نادرًا في محيطها، وسمعةً نظيفة في حوكمة المحيطات وحماية البيئة. وحين تعرض السعودية كرمها التنموي على دولةٍ جزرية صغيرة، فهي تُظهر للعالم الأصغر أنّ يدها ممدودة لا إلى الكبار وحدهم. هكذا يصير العطاء استثمارًا في صورةٍ ومكانة، لا صدقةً من طرفٍ واحد. العلاقة في جوهرها تبادلُ منافعَ غير متماثلةٍ في الحجم، لكنها حقيقية في الاتجاهين.
