المسجد الحرام والكعبة المشرّفة في مكّة المكرّمة، قبلة مسلمي العالم ومنهم أبناء سيشل. المصدر: ويكيميديا كومنز
كل جمعة، تجتمع في حيّ بيل إير بفيكتوريا حفنةٌ من المصلّين تحت قبّةٍ ذهبية. أقلّيةٌ صغيرة، لا تتجاوز نسبتها نحو واحدٍ إلى اثنين في المئة من سكّان أرخبيلٍ يغلب عليه المسيحيون. لكنّ البحر الذي جاء بهم إلى هذه الجزر هو البحر ذاته الذي يحملهم كل عامٍ إلى مكّة. قصة الإسلام في سيشل قصة بحرٍ من ثلاثة فصول: تجّارٌ، ومنفيّون، وحجّاج. وفي الفصول الثلاثة تحضر أرض السعودية، أرض الحرمين، حاضرةً في الوجدان.
الفصل الأول: بحرٌ سبق البشر
انتشر الإسلام في المحيط الهندي على أيدي التجّار والبحّارة المسلمين قبل قرونٍ من وصول الأوروبيين إلى سيشل. لكنّ الجزر تختلف عن جاراتها. ففي جزر القمر والمالديف وزنجبار صار الإسلام دين الأغلبية باكرًا، أمّا سيشل فلم يكن فيها سكّانٌ دائمون على الإطلاق حتى استوطنها الفرنسيون عام ١٧٧٠. مرّ البحّارة المسلمون بهذه الجزر، وسمّوها، وقرأوا نجومها، لكنّهم لم يقيموا فيها. لذلك لم يتجذّر الإسلام في سيشل باكرًا كما في جاراتها، بل بدأت حكايته مع الاستيطان، وبدأت مع التجّار.
الفصل الثاني: تجّارٌ من غُجارات إلى فيكتوريا
كان الهنود من أوائل من وصل الجزر، إذ بلغها مهاجرون تاميل منذ عام ١٧٧٠ نفسه. وعلى مدى القرنين التاسع عشر والعشرين، نسجت عائلاتٌ تجارية مسلمة من إقليم غُجارات الهندي حضورها في تجارة فيكتوريا. من بينهم البُهرة، وهي جماعةٌ تجارية غُجاراتية يعود اسمها إلى كلمةٍ في لغتهم تعني «التجارة» نفسها. أسماءٌ بقيت في ذاكرة الجزر: شركة آدم موسى، وورثة عمرجي إبراهيم، عائلاتٌ تجارية مسلمة سيتبرّعون لاحقًا بأرض أول مسجد. حضور الإسلام في سيشل، في جذره، حكاية تجّار، صدى للتجارة نفسها التي جعلت جدّة بوّابةً على الشاطئ المقابل.

الفصل الثالث: جزيرة المنفيّين، سلاطينُ وباشواتٌ وراء البحر
ثمّ يأتي فصلٌ أغرب. فقد كانت سيشل، لعقود، جزيرة منفى الإمبراطورية البريطانية، إليها تُرسَل القياداتُ التي أرادت لندن إبعادها عن أوطانها. وكان عددٌ لافتٌ منهم حكّامًا مسلمين. أوّلهم السلطان عبد الله سلطان بيراق في شبه جزيرة الملايو، الذي نُفي عام ١٨٧٧.
اتُّهم السلطان، في تحقيقٍ سياسيٍّ لا محاكمةٍ جنائية، بضلوعٍ في مقتل جيمس بيرش أول مقيمٍ بريطانيٍّ في بيراق عام ١٨٧٥. أبحر من سنغافورة على متن الباخرة الحديدية «كوثرستون»، وبلغ ماهي في الحادي والثلاثين من أغسطس ١٨٧٧، ومعه أمّه وأربعُ زوجاتٍ وسبعةُ أبناءٍ وحاكمٌ وقاضٍ وخدم. ظلّ خمسةً وعشرين عامًا يعلن براءته، حتى وقّع أهل سيشل عرائض للإفراج عنه.
حمل ابنُه إلى بلاده لحنًا سيشيليًّا محلّيًّا اسمه «لا روزالي»، فصار بكلماتٍ جديدة نشيدَ «نيغاراكو»، النشيد الوطني لماليزيا. لحنٌ من جزر سيشل تغنّيه اليوم أمّة.
ولم يكن الأخير. فقد تلاه إلى الجزر السلطان محمود علي شيري من أرض الصومال، وسعد زغلول باشا رئيس وزراء مصر الأسبق، ومعظم أعضاء اللجنة العربية العليا في فلسطين، إلى جانب ملوكٍ من أشانتي وبونيورو وبوغندا. حمل هؤلاء المنفيّون إلى الجزر علمَ الإسلام ووقاره، وعمّقوا حضورَ المسلمين فيها إلى ما هو أبعد من عددهم. أرادت الإمبراطورية أن تُسكِتهم، فإذا بها تغرس إيمانًا.
القبّة الذهبية: أول بيتٍ لله في سيشل
رغم كل هذا، من بحّارةٍ وتجّارٍ ومنفيّين، لم يكن في سيشل مسجدٌ واحد حتى عام ١٩٨٢. تبرّعت الجالية، عبر مؤسّسي الجمعية الإسلامية في سيشل (شركة آدم موسى وورثة عمرجي إبراهيم)، بأرضٍ في بيل إير في قلب فيكتوريا. ومَوّل البناءَ صاحب السموّ الشيخ سرور بن محمد آل نهيان من أبوظبي، الذي كان يقضي إجازته في الجزر آنذاك. بدأ العمل عام ١٩٨١ واكتمل في سبتمبر ١٩٨٢. قبّةٌ ذهبية، وسعةٌ لستّمئة مصلٍّ. أول مسجدٍ في تاريخ سيشل كلّه.
أول بيتٍ لله
| البناء | ١٩٨١–١٩٨٢، الأول في تاريخ سيشل |
| المموّل | الشيخ سرور بن محمد آل نهيان، أبوظبي |
| أرض الوقف | شركة آدم موسى وورثة عمرجي إبراهيم |
| الموقع | بيل إير، فيكتوريا |
| السعة | ٦٠٠ مصلٍّ، قبّةٌ ذهبية |
نمت الجالية بسرعة: من أقلّ من مئة مسلمٍ في ستّينيات القرن الماضي وسبعينياته، إلى نحو ألفين اليوم. وضاق المسجد الأول بروّاده، فهُدم عام ٢٠١٢ وأُعيد بناؤه بثلاثة أضعاف السعة، بدعمٍ من الشيخ سرور مجدّدًا. وتبعه مسجدٌ ثانٍ في حيّ مون فلوري عام ٢٠١٣. وفي عام ٢٠١٩ أنشأت الجالية المجلس الوطني لمسلمي سيشل، مظلّةً ترعى شؤونهم. جماعةٌ صغيرةٌ في العدد، راسخةٌ في المؤسّسة.
الركن الخامس: كيف تبلغ جزيرةٌ صغيرة مكّة
الحجّ ركنٌ من أركان الإسلام الخمسة، فريضةٌ على كل مسلمٍ قادرٍ مرّةً في العمر. للمسلم السيشيلي، مكّة رحلة العمر. لكن كيف تبلغها جماعةٌ بهذا الصغر؟ تنظّم السعودية الحجّ بنظام حصصٍ أقرّته منظّمة التعاون الإسلامي عام ١٩٨٧: نحو حاجٍّ واحدٍ لكل ألف مسلمٍ من كل دولة. ولأنّ مسلمي سيشل بضعة آلاف، فإنّ حصّتها لا تتجاوز حفنةً من المقاعد كل عام. كل مقعدٍ ثمين، يُنتظَر سنوات.

واليوم صار الدرب في معظمه عبر السماء. ففي عام ٢٠٢٤ بلغ نحو أربعةٍ وتسعين في المئة من الحجّاج المملكةَ جوًّا، تستقبلهم صالةٌ مخصّصة للحجّاج في مطار الملك عبد العزيز بجدّة. والحاجّ السيشيلي يطير عبر الخليج، من دبي وأبوظبي والدوحة، المحاور نفسها التي تربط الجزر بالعالم. الإيمان والطيران، خيطان في رحلةٍ واحدة.
درب البحر القديم
قبل الطائرة، كان حجّاج شرق أفريقيا والمحيط الهندي يصلون إلى جدّة، بوّابة مكّة، على رياح الموسم التي حملت الدهو بين الجزيرة العربية وأفريقيا. مسلمو سيشل جزءٌ من تلك الأمّة المحيطية. فالبحر الذي يحيط بالجزر هو البحر الذي حمل المؤمنين إلى أرض الحرمين. الماء نفسه، والريح نفسها، والدرب أقدم.
تحت القروض والاتفاقيات بين سيشل والسعودية يقوم ما لا يسجّله دفتر: قبّةٌ ذهبية في فيكتوريا، وحفنةُ حجّاجٍ كل عام، وقبلةٌ يستقبلها مسلم سيشل خمس مرّاتٍ في اليوم. هذا هو الأساس الصامت لعلاقة الجزر بالخليج كلّه، وهو أقدمها.
المصادر والتحقّق
- [١] ويكيبيديا · الإسلام في سيشل ↗
- [٢] الجمعية الإسلامية في سيشل (ISOS) · تاريخنا ↗
- [٣] Muslims in Seychelles · تاريخ الجالية المسلمة ↗
- [٤] Kreol Magazine · سيشل، جزيرة المنفيّين ↗
- [٥] Kreol Magazine · منفى سلطان عبد الله ونشيد ماليزيا الوطني ↗
- [٦] ويكيبيديا · مسجد الشيخ محمد بن خليفة ↗
- [٧] Islamic Landmarks · حصص الحجّ حسب الدول (نظام التعاون الإسلامي) ↗
