مسجد الشيخ محمد بن خليفة آل نهيان، فيكتوريا. المصدر: ويكيميديا كومنز
المسلمون في سيشل أقلّيةٌ صغيرة راسخة، تشكّل نحو ١٫٦٪ إلى ٢٪ من السكّان. لكنّ حضورهم أعرق من عددهم، ومعالمهم في قلب العاصمة تحكي قصة تلاقٍ بين جزر المحيط الهندي وإخوةٍ في الدين من الخليج. وأبرز تلك المعالم مسجدٌ بقبّةٍ ذهبية في حيّ بيل إير، هو أول مسجدٍ بُني في تاريخ سيشل كلّه.

١٩٨٢: أميرٌ يصطاف، فيبني بيتًا لله
يعود بناء المسجد إلى عام ١٩٨٢، حين موّله صاحب السموّ الشيخ سرور بن محمد آل نهيان من أبوظبي. تروي الجمعية الإسلامية في سيشل أنّ الشيخ سرور كان يقضي إجازته في الجزر آنذاك، فبادر إلى تمويل بناء المسجد. بدأ العمل عام ١٩٨١ واكتمل في سبتمبر ١٩٨٢، ليصبح أول مسجدٍ في البلاد، بقبّته الذهبية اللافتة وسعةٍ تبلغ نحو ستّمئة مصلٍّ.
لم يكن مجرّد مبنى، بل أول مكانٍ يجتمع فيه مسلمو الجزيرة لصلاة الجمعة تحت سقفٍ واحد.
٢٠١٢: يُهدَم ليُبنى ثلاثة أضعاف
مع نموّ الجالية المسلمة، ضاق المسجد الأول بروّاده. وفي عام ٢٠١٢ هُدم المبنى القديم وأُعيد بناؤه أكبر، ليتّسع لثلاثة أضعاف الطاقة الأصلية. واللافت أنّ التمويل جاء مجدّدًا من الكرم الإماراتي، من الأسرة ذاتها. هكذا لم تكتفِ اليد التي بنت أول مسجدٍ بأن تتركه، بل عادت بعد ثلاثة عقودٍ لتوسّعه.
بطاقة المسجد
| الاسم | مسجد الشيخ محمد بن خليفة آل نهيان |
| الموقع | بيل إير، فيكتوريا، ماهي |
| سنة البناء | ١٩٨١–١٩٨٢ (الأول في سيشل) |
| المموّل | الشيخ سرور بن محمد آل نهيان — أبوظبي |
| إعادة البناء | ٢٠١٢ (ثلاثة أضعاف السعة) |
| السعة | نحو ٦٠٠ مصلٍّ · قبّةٌ ذهبية |
معلمٌ للزائر الخليجي
للمسافر المسلم من الخليج، يحمل هذا المسجد معنًى مضاعفًا: فهو مكانٌ للصلاة في قلب العاصمة، وشاهدٌ على أنّ الإسلام ليس غريبًا على هذه الجزر. يقع المسجد قريبًا من سوق فيكتوريا وبرج الساعة، فيمكن جمع زيارته مع معالم العاصمة في جولةٍ واحدة. وتُقام فيه الجمعة، وأوقات الصلاة معلنة.
وإلى جانبه، توسّع الحضور الإسلامي في الجزر بمساجد أخرى في ماهي وبراسلين، وبمؤسّساتٍ ترعى شأن الجالية والحلال. لكنّ القبّة الذهبية في بيل إير تبقى الأصل، والفصل الأول في حكاية العون الخليجي لمسلمي سيشل، الذي سيتكرّر لاحقًا في صور المستشفيات والمساكن والماء.
الإسلام في سيشل: أقدم من المسجد
القبّة الذهبية في بيل إير جاءت عام ١٩٨٢، لكنّ الإسلام سبقها إلى الجزر بأجيال. فمع حركة التجارة في المحيط الهندي وصل مسلمون إلى سيشل منذ القرن التاسع عشر، أبرزهم تجّارٌ من غرب الهند، من الغوجاراتيين والبَهرة، استقرّوا في فيكتوريا تحت الحكم البريطاني وأداروا حركة البيع والاستيراد. ومن قبلهم كان بين العبيد المحرَّرين القادمين من شرق أفريقيا مسلمون حملوا دينهم معهم. هكذا تشكّلت جاليةٌ صغيرة راسخة، عمادها التجارة، قبل أن يكون لها مسجدٌ يجمعها تحت سقفٍ واحد.
ولأنّ الجالية كانت تصلّي في البيوت والمحالّ، صار بناء أول مسجدٍ عام ١٩٨٢ لحظةً فارقة: تحوّلت العبادة من متفرّقةٍ في الزوايا إلى مجتمعةٍ في بيتٍ لله. ولهذا يحمل المسجد رمزيةً تتجاوز حجارته، فهو إعلانٌ بأنّ للإسلام في هذه الجزر بيتًا معلومًا، لا حضورًا خفيًّا يتوارى في الزوايا.
حياةٌ إسلامية على الجزر اليوم
يشكّل المسلمون اليوم نحو ١٫٦٪ إلى ٢٪ من سكّان سيشل، وترعى شأنهم الجمعية الإسلامية في سيشل التي تنظّم الصلوات والمناسبات وتعليم الأطفال. الطعام الحلال متوافرٌ في العاصمة وكثيرٍ من المنتجعات، وتُقام صلاة الجمعة والعيدان، وتتوزّع مصلّياتٌ إضافية في ماهي وبراسلين. للزائر الخليجي، هذا يعني أنّ أركان يومه الإيمانية مكفولة: مكانٌ للصلاة، وطعامٌ يطمئنّ إليه، ومجتمعٌ مسلمٌ يشاركه العيد. سيشل ليست أرضًا غريبةً على المسلم، بل جزيرةٌ فيها من دينه ما يؤنسه ويجعله في بيته.
لماذا يتكرّر الكرم الخليجي؟
اللافت أنّ اليد التي بنت المسجد الأول عادت بعد ثلاثين عامًا لتوسّعه، ومن الأسرة نفسها، أسرة آل نهيان. وهذا الكرم ليس معزولًا، بل يتردّد في فصولٍ أخرى من العلاقة: مستشفى لا ديغ، ومحطّات الماء، ومساكن غراند آنس، وجرعات اللقاح. يجمع بين هذه الفصول خيطٌ واحد، أنّ العون يذهب إلى حاجةٍ حقيقية لا إلى استعراض. والمسجد أوّل هذه الحلقات وأعمقها رمزًا، لأنه يخصّ الروح لا الجسد. فحين يبني غنيٌّ بيتًا لله في أرضٍ ليست أرضه، يقول إنّ الأخوّة في الدين أوسع من حدود الجغرافيا.
هكذا تجتمع في القبّة الذهبية ببيل إير ثلاثُ حكايات: عراقة الإسلام في الجزر منذ القرن التاسع عشر، وكرم آل نهيان الذي بنى ووسّع، وأخوّةٌ في الدين تعبر المحيط بلا استئذان. حجارةٌ صغيرة على تلّةٍ في فيكتوريا، لكنها تحمل معنًى أكبر من حجمها بكثير.
