طائرة إيرباص A330 لطيران سيشل. المصدر: ويكيميديا كومنز
لكلّ دولةٍ جزرية معضلةٌ واحدة: كيف تبقى موصولةً بالعالم؟ فالجزر لا تعيش من دون طيران، وشركة الطيران الوطنية شريانُ حياةٍ لا رفاهية. في مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، كانت شركة طيران سيشل تصارع مشكلات الإدارة والربحية، فجاءها الحلّ من أبوظبي.

صفقة ٢٠١٢: عشرون مليونًا وعقد إدارة
في يناير ٢٠١٢ وقّع طيران الاتحاد مذكّرة تفاهم مع حكومة سيشل للاستحواذ على ٤٠٪ من طيران سيشل ضمن تحالفٍ استراتيجي. دفع الاتحاد عشرين مليون دولار مقابل الحصّة، قابلها ضخٌّ رأسماليٌّ مماثل من حكومة سيشل، وأضاف الاتحاد قرضًا مساهمًا بقيمة خمسة وعشرين مليون دولار لتلبية احتياجات رأس المال العامل وتطوير الشبكة. والأهمّ: عقد إدارةٍ لخمس سنوات يتولّى بموجبه الاتحاد تشغيل الشركة، لتستفيد من خبرته في تخطيط الخطوط وإدارة الأسطول والربط العالمي.
الاستثمار في الناقل الوطني لسيشل خطوةٌ طبيعية نحو تنمية عملياتنا في أسواق المحيط الهندي وأفريقيا المتنامية.
النتيجة: قفزة أرباحٍ بنسبة ١٧١٪
لم تتأخّر الثمار. فبعد عامٍ واحدٍ من الشراكة، قفز صافي أرباح طيران سيشل بنسبة ١٧١٪ ليبلغ ثلاثة ملايين دولار عام ٢٠١٣، مع ارتفاع الإيرادات ١٠٧٪ إلى نحو ٨٨٫٧ مليون دولار. تعهّد الاتحاد أيضًا برفع وتيرة الرحلات بين أبوظبي وماهي من أربعٍ أسبوعيًا نحو رحلةٍ يومية، وربط الجزر بشبكة الاتحاد العالمية عبر أبوظبي.
تفاصيل الصفقة
| الحصّة | ٤٠٪ من طيران سيشل |
| قيمة الاستحواذ | ٢٠ مليون دولار |
| قرض مساهم إضافي | ٢٥ مليون دولار |
| عقد الإدارة | ٥ سنوات (بدأ فبراير ٢٠١٢) |
| أثر ٢٠١٣ | صافي الأرباح +١٧١٪ · الإيرادات +١٠٧٪ |
لماذا اشترت أبوظبي حصصًا في شركاتٍ حول العالم؟
لم تكن صفقة طيران سيشل قرارًا معزولًا، بل جزءًا من استراتيجيةٍ جريئة تبنّاها طيران الاتحاد في ذلك العقد: بناء تحالفٍ عالميٍّ بالحصص لا بالاندماج. فبدل الانضمام إلى تحالفات الطيران الكبرى، اشترى الاتحاد حصصًا في ناقلاتٍ حول العالم لتغذّي مركزه في أبوظبي بالركّاب: إيرباين البرلينية، وألِيطاليا الإيطالية، وجيت إيرويز الهندية، والطيران الصربي، وفيرجن أستراليا، وطيران سيشل. كانت الفكرة أن تصير أبوظبي ملتقى خطوطٍ تنبع من كل قارّة، ولكلّ إقليمٍ عقدةٌ تغذّي المركز. وفي هذه الخريطة الطموحة وقع على طيران سيشل دورُ عقدة المحيط الهندي.
ربطت الشراكة ماهي بشبكة الاتحاد العالمية، ففُتحت أمام المسافر السيشيلي وجهاتٌ عبر أبوظبي لم تكن في المتناول، من هونغ كونغ إلى باريس إلى جوهانسبرغ. وأدارت الشركة أسطولها من طائرات إيرباص برؤيةٍ تجارية أوضح، ورفعت وتيرة رحلاتها إلى أبوظبي لتغذّي المحور. لسنواتٍ بدا النموذج ناجحًا، تشهد له قفزة الأرباح التي تلت الصفقة مباشرةً.
غير أنّ نموذج التحالف بالحصص أثبت هشاشته لاحقًا. فتعثّرت إيرباين وأفلست، وانهارت ألِيطاليا، وسقطت جيت إيرويز، وتكبّد الاتحاد خسائر بلغت المليارات. عندها بدأ يتخارج من استثماراته واحدةً تلو الأخرى، عائدًا إلى التركيز على شبكته الخاصة. وهكذا جاء انسحابه من طيران سيشل خاتمةً منطقية لتحوّلٍ في استراتيجيةٍ عالمية، لا خصومةً مع الجزر ولا فشلًا في الشراكة معها.
النهاية: العودة إلى الديار مقابل دولارٍ واحد
انتهت الشراكة عام ٢٠٢١ حين استعادت حكومة سيشل كامل ملكية شركتها الوطنية، إذ تنازل الاتحاد عن حصّته البالغة ٤٠٪، ودفعت سيشل دولارًا رمزيًا واحدًا لاستعادتها مع جدولٍ ميسّر لسداد الديون. قد يبدو ذلك خاتمةً للشراكة، لكنه في الحقيقة دليلٌ على نضجها: فقد دخلت أبوظبي حين احتاجتها الجزر، وأدارت الشركة، ونقلت الخبرة، ثم خرجت بسلاسةٍ حين آن الأوان.
ماذا بقي لطيران سيشل بعد الشراكة؟
حين استعادت سيشل شركتها، لم تكن تستعيد ما سلّمته بالضبط. فتسع سنواتٍ من الإدارة الإماراتية تركت الناقلة الوطنية أنضج تخطيطًا لخطوطها، وأحدث في نظم الحجز والصيانة، وأوسع خبرةً لدى طواقمها وكوادرها. ركّزت طيران سيشل بعد ٢٠٢١ على ما تُجيده: ربط الجزر الداخلية بعضها ببعض، والخطوط الإقليمية إلى شرق أفريقيا والخليج، تاركةً الخطوط البعيدة لشركاء أكبر كطيران الإمارات. هذا التقسيم للأدوار، ناقلةٌ وطنية صغيرة رشيقة تُغذّي محاور الشركاء العملاقة، هو ما يناسب اقتصاد أرخبيلٍ لا يحتمل أسطولًا ضخمًا.
تبقى القصّة درسًا في كيفية تعامل دولةٍ صغيرة مع شريكٍ عملاق: خذ الاستثمار والخبرة حين تحتاجهما، واحتفظ بحقّك في استعادة قرارك حين يتغيّر المشهد. لم تخسر سيشل سيادتها على أجوائها في أيّ لحظة، بل استأجرت خبرةً تسع سنوات ثم استعادت الدفّة. وذلك، في عالم شركات الطيران المتقلّب، نجاحٌ بحدّ ذاته.
وهكذا تبقى تجربة الاتحاد وطيران سيشل نموذجًا لشراكةٍ عرفت كيف تبدأ وكيف تنتهي بكرامة، تاركةً أثرًا يفوق سنواتها التسع. لا كل الشراكات تُختبر بحسن بدايتها، بل بحسن خاتمتها أيضًا، وهذه نجحت في الاثنين.
