بيوت جدّة التاريخية (البلد) بنوافذ الروشان الخشبية وواجهات الحجر المرجاني. المصدر: ويكيميديا كومنز
قبل المطارات، كان الطريق إلى مكّة يمرّ بالبحر. ومفتاح ذلك البحر مدينةٌ واحدة: جدّة. على الشاطئ الشرقي للبحر الأحمر، وقفت جدّة القديمة أربعة عشر قرنًا بوّابةً لمكّة، وميناءً تلتقي عنده تجارة المحيط الهندي بحجّاج العالم الإسلامي. من فهم جدّة، فهم البحر الذي تنتمي إليه سيشل.
ميناء مكّة منذ الخليفة عثمان
يعود دور جدّة ميناءً لمكّة إلى القرن الأول الهجري، حين جعلها الخليفة الثالث عثمان بن عفّان رضي الله عنه الميناء الرسمي لمكّة نحو عام ٢٦ للهجرة. من تلك اللحظة تحوّلت قريةٌ صغيرة للصيد إلى عقدةٍ محورية في شبكة طرق التجارة عبر المحيط الهندي، وبوّابةٍ للحجّاج القادمين إلى الجزيرة العربية بحرًا. مزدوجُ الدور: تجارةٌ وحجّ، معًا، على مدى القرون. وهذا المزيج هو ما شكّل شخصية المدينة.
رياح الموسم ودرب البحر

رياح الموسم التي حملت مراكب الدهو بين الجزيرة العربية وشرق أفريقيا والهند، هي ذاتها التي حملت الحجّاج والبضائع إلى جدّة. ومن كثرة القاصدين، صارت المدينة متعدّدة الأعراق، يقيم فيها ويعمل مسلمون من آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، فنشأت جاليةٌ كوزموبوليتية من كل لونٍ ولسان. هذه الشبكة المحيطية هي عينها التي لامست الساحل السواحيلي وجزر المحيط الهندي القريبة من سيشل. البحر الذي وصل جدّة بأفريقيا وصل، في امتداده، عالمًا كاملًا.
بيوت الروشان: عمارةٌ من مرجانٍ وخشب
تركت هذه التجارة أثرها في الحجر. فقد بنى وجهاء جدّة وتجّارها في أواخر القرن التاسع عشر بيوتًا شامخة من الحجر المرجاني المقتطَع من البحر الأحمر، تعلوها نوافذ الروشان الخشبية المزخرفة التي تلتقط نسيم البحر وتحفظ خصوصية الداخل. وإلى جانبها قامت الأربطة، تلك النُّزُل المحصّنة التي كانت تؤوي التجّار والحجّاج، والأسواق والمساجد والساحات الصغيرة. أشهر تلك البيوت «بيت نصيف» الذي نزل فيه الملك عبد العزيز. وكان لسور المدينة القديمة بابان رئيسيان، أحدهما نحو مكّة والآخر نحو البحر، وستّة أبراج. مدينةٌ عاشت بين بوّابةٍ للبرّ المقدّس وبوّابةٍ للماء.
جدّة التاريخية
| الميناء | منذ نحو ٢٦ للهجرة (الخليفة عثمان) |
| المباني التراثية | أكثر من ٦٠٠ |
| المساجد التاريخية | ٣٦ |
| الأسواق الكبرى | ٥ |
| السور | بابان: نحو مكّة ونحو البحر، وستّة أبراج |
| اليونسكو | ٢٠١٤ · معايير (٢)(٤)(٦) · رقم ١٣٦١ |
ازدهار السويس
بلغت جدّة القديمة ذروتها الأخيرة مع افتتاح قناة السويس عام ١٨٦٩ ودخول البواخر البخارية التي ربطت أوروبا بالهند وآسيا. مثّلت المدينة آخر ازدهارٍ لتجارة المحيط الهندي البحرية، فجلبت ثروةً هائلة لتجّارها، الذين تبارَوا في بناء بيوت الروشان وتزيينها. ومعها ازدهرت الأسواق والمساجد. غير أنّ ذلك الازدهار البحري نفسه بدأ يخبو حين تحوّلت طرق التجارة والحجّ من الشراع إلى البخار ثم إلى الطائرة، فتجمّد الحيّ القديم شاهدًا على زمنٍ مضى.
تراثٌ عالميّ
في عام ٢٠١٤ أدرجت اليونسكو جدّة التاريخية على قائمة التراث العالمي باسم «جدّة التاريخية، بوّابة مكّة»، تحت المعايير الثقافية الثاني والرابع والسادس، برقم ١٣٦١. يضمّ الموقع أكثر من ستّمئة مبنًى تراثي، وستّةً وثلاثين مسجدًا تاريخيًّا، وخمسة أسواقٍ كبرى، وممرّاتٍ وساحاتٍ قديمة والواجهة البحرية العتيقة. واليوم، في إطار رؤية ٢٠٣٠، يُعاد إحياء الحيّ، لا بوصفه معلمًا سياحيًّا مصطنعًا، بل تراثًا حيًّا يشهد على قرونٍ من التجارة والحجّ وعمارة الحجر المرجاني.
ولم تفقد جدّة دورها بوّابةً للحجّاج، بل بدّلت وسيلته. فبعد أن كانت مرافئها تستقبل حجّاج البحر على مراكب الشراع، صارت صالة الحجّ في مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدّة تستقبل الملايين جوًّا كل موسم، إذ يصل أكثر من أربعةٍ وتسعين في المئة من الحجّاج اليوم بالطائرة. تبدّل النقل من الشراع إلى البخار ثم إلى الجناح، وبقيت جدّة، بعد أربعة عشر قرنًا، أول أرضٍ تطؤها أقدام القاصدين إلى مكّة، ومنهم القادمون من جزر المحيط الهندي البعيدة كسيشل. البوّابة هي البوّابة، وإن تبدّل الطريق إليها.
للسور بابان: بابٌ نحو مكّة، وبابٌ نحو البحر. وبينهما عاشت المدينة.
الخيط إلى سيشل
درب الحجّ والتجارة الذي مرّ بجدّة هو العالم الأوسع الذي تنتمي إليه جذور سيشل. فالعائلات التجارية المسلمة من غُجارات، التي أسّست جالية سيشل المسلمة وتبرّعت بأرض أول مسجدٍ فيها، كانت جزءًا من شبكة تجارة المحيط الهندي نفسها التي رست على جدّة. والحجّاج السواحيليون وأبناء شرق أفريقيا الذين عبروا بوّابة مكّة أبحروا على رياح الموسم عينها التي لامست الجزر. من جدّة إلى زنجبار إلى مياه سيشل، خيطٌ واحدٌ من الشراع والملح والإيمان، نسجه البحر قبل أن تنسج الدبلوماسية خيوطها.
