طبيعة سيشل التي تصدّرت مباحثات البيئة والطاقة المتجدّدة. المصدر: ويكيميديا كومنز
في الدبلوماسية، حجم الزيارة لا يُقاس بحجم البلد المُزار وحده، بل بمكانته في نظر الزائر. وحين حلّ رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ضيفًا على سيشل في أغسطس ٢٠٢٢، كانت الرسالة أوضح من أيّ بيان: هذا الأرخبيل الصغير يحتلّ مكانةً خاصة لدى قيادة دولةٍ من كبريات دول المنطقة.

أول زيارةٍ بعد الرئاسة
جاءت الزيارة في وقتٍ لافت، إذ كانت من أولى الزيارات الرسمية للشيخ محمد بن زايد إلى الخارج بعد تولّيه رئاسة الدولة في مايو ٢٠٢٢. أن يختار زعيمٌ في بداية عهده أن يقصد جزيرةً صغيرة في المحيط الهندي، لا يُفهم إلّا في ضوء علاقةٍ يصفها الجانبان بأنها مبنيّةٌ على الثقة والاحترام المتبادل، وتمتدّ جذورها إلى عقودٍ من العون.
البيئة والطاقة المتجدّدة في صدارة الحديث
تصدّرت البيئةُ والطاقةُ المتجدّدة جدول اللقاء، وهو اختيارٌ لا يخلو من دلالة. فسيشل من أكثر الدول عرضةً لآثار تغيّر المناخ وارتفاع منسوب البحر، والإمارات تقود مبادراتٍ عالمية في الطاقة النظيفة والعمل المناخي. التقاء الهمّين، حماية جزرٍ مهدّدة ونشر طاقةٍ نظيفة، جعل من البيئة أرضيةً طبيعية للتعاون بين البلدين.
الزيارة
| الضيف | الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات |
| التاريخ | أغسطس ٢٠٢٢ |
| الصفة | من أولى زياراته الخارجية بعد الرئاسة |
| الملفّات | البيئة والطاقة المتجدّدة |
| الإطار | علاقةٌ على الثقة والاحترام المتبادل |
من هو محمد بن زايد؟
الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، المعروف اختصارًا بـ«محمد بن زايد»، تولّى رئاسة دولة الإمارات في مايو ٢٠٢٢ خلفًا لأخيه الشيخ خليفة. لكنّه قبل ذلك بسنوات كان المهندس الفعلي لسياسة الإمارات الخارجية بوصفه وليًّا للعهد. أن يجعل زعيمٌ بهذا الثقل زيارةَ سيشل من أولى محطّاته الخارجية بعد الرئاسة، ليس مجاملةً بروتوكولية، بل إشارةٌ إلى موقع الجزر في خريطته للعلاقات، وإلى أنّ الملفّ السيشيلي يُدار من قمّة الهرم الإماراتي.
لماذا البيئة تحديدًا؟ من ٢٠١٣ إلى كوب ٢٨
اختيار البيئة والطاقة المتجدّدة محورًا للقاء ٢٠٢٢ لم يكن اعتباطًا. فالعلاقة في هذا المجال أقدم من الزيارة بعقد: ففي عام ٢٠١٣ افتتحت «مصدر» الإماراتية، بتمويلٍ من صندوق أبوظبي للتنمية، أول مزرعة رياحٍ في تاريخ سيشل قبالة فيكتوريا، بثماني توربينات وقدرة ستّة ميغاواط، تغذّي نحو ثمانية بالمئة من كهرباء ماهي. كانت تلك أول مشروع طاقةٍ متجدّدة في البلاد، بمنحةٍ قيمتها ثمانيةٌ وعشرون مليون دولار. على هذا الأساس المبكر بُنيت مباحثات ٢٠٢٢.
ثمّ إنّ التوقيت كان بليغًا: فبعد أشهرٍ من زيارة ٢٠٢٢، استضافت الإمارات مؤتمر المناخ العالمي «كوب ٢٨» في نهاية ٢٠٢٣. وسيشل من أكثر دول العالم عرضةً لارتفاع البحر، ورائدةٌ في «الاقتصاد الأزرق»، إذ أطلقت أول سنداتٍ زرقاء في العالم عام ٢٠١٨، وبادلت جزءًا من ديونها بحماية محيطها. التقى الطرفان إذن عند البحر من زاويتين: الإمارات بخبرة الطاقة النظيفة، وسيشل بريادة حماية المحيطات. تكاملٌ لا تشابه.
التقى الطرفان عند البحر من زاويتين: الإمارات بخبرة الطاقة النظيفة، وسيشل بريادة حماية المحيطات.
خيطٌ متّصلٌ من اللقاءات
لم تكن زيارة ٢٠٢٢ حدثًا منعزلًا، بل حلقةً في سلسلةٍ متّصلة: من قمم الحكومات العالمية في دبي، إلى زيارة الرئيس هيرمِني إلى أبوظبي في ديسمبر ٢٠٢٥ التي جعل منها أول مهمّةٍ خارجية له. هذه المصافحات المتكرّرة على أعلى المستويات هي التي تحوّل العلاقة من مشاريعَ متفرّقة إلى شراكةٍ استراتيجية راسخة.
صندوق أبوظبي: اليد التي تنفّذ
خلف كثيرٍ من هذه المشاريع تقف مؤسّسةٌ واحدة: صندوق أبوظبي للتنمية. فهو الذراع التي موّلت مزرعة الرياح عام ٢٠١٣ بمنحةٍ قيمتها ثمانيةٌ وعشرون مليون دولار، وعبره يمرّ جزءٌ من العون التنموي الإماراتي إلى الجزر. وجود مؤسّسةٍ متخصّصة تدير التمويل يعني أنّ العون ليس لفتاتٍ متفرّقة تُقرَّر في القمم فحسب، بل منظومةٌ لها أدواتها ومتابعتها. القمّة ترسم الاتجاه، والصندوق يحفر الأساس، وهذا ما يحوّل المصافحة إلى خرسانةٍ على الأرض تدوم بعد أن تنطفئ أضواء الكاميرات.
وماذا يعني هذا للزائر؟
قد يبدو لقاء رئيسين بعيدًا عن رحلة سائح، لكنّ ثمرته تُلمَس على الأرض. فحين تتعاون الإمارات وسيشل في الطاقة النظيفة، تتّجه الجزر نحو كهرباءٍ أنظف وأرخص على المدى الطويل، ومنتجعاتٍ تعمل بضميرٍ بيئيّ أهدأ. والمسافر الذي يختار سيشل غالبًا يبحث عن طبيعةٍ محفوظة، وهذا بالضبط ما يحميه هذا التعاون. الوجهة التي تصون بحرها وسماءها هي التي تبقى جميلةً لمن يأتي بعدك.
