لقاء رئيس سيشل وسموّ الشيخ حمدان بن محمد، ٢٠٢٥. المصدر: مجلس الدولة السيشيلي (State House)
لا تُبنى العلاقات بين الدول دفعةً واحدة، بل تُنسَج خيطًا خيطًا في لقاءاتٍ متتالية على أعلى المستويات. وعلاقة سيشل بالإمارات مثالٌ واضح: سلسلةٌ من المصافحات في القمم والزيارات، كلٌّ منها يضيف طبقةً من الثقة، ويترجَم لاحقًا إلى مشروعٍ ملموس.

ما قمّة الحكومات العالمية؟
قمّة الحكومات العالمية حدثٌ سنويٌّ تستضيفه دبي منذ عام ٢٠١٣، يجمع رؤساء دولٍ ووزراء ومفكّرين وقادة منظّماتٍ دولية لبحث مستقبل الحكم والتنمية والتقنية. صارت القمّة منبرًا يلتقي فيه العالم في مكانٍ واحد، وهذا بالضبط ما يجعلها ثمينة لدولةٍ صغيرة كسيشل. فبدل عشرات الرحلات إلى عشرات العواصم، يكفي حضورٌ واحد في دبي ليلتقي قادتُها من يشاؤون من صنّاع القرار. للدول الصغيرة، المحافل المتعدّدة الأطراف مضاعِفُ قوّة.
قمّة الحكومات العالمية، منبرُ اللقاء
صارت قمّة الحكومات العالمية في دبي أحد أهمّ منابر اللقاء بين قيادتَي البلدين. ففي دورة ٢٠٢٣ التقى رئيس سيشل الشيخَ محمد بن زايد آل نهيان على هامش القمّة. وفي دورة ٢٠٢٥ عقد مباحثاتٍ مع سموّ الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، وليّ عهد دبي. هذه اللقاءات المتكرّرة في المحفل نفسه تبني استمراريةً نادرة في العلاقات الدولية.
اللقاءات المتّصلة على القمّة هي ما يحوّل النوايا إلى مشاريعَ على الأرض.
وزير الدولة في الجزر
لم تقتصر اللقاءات على القمم في الخارج. فقد زار وزير الدولة الإماراتي الشيخ شخبوط بن نهيان آل نهيان سيشل والتقى رئيسها، كما التقاه الرئيس هيرمِني في أبوظبي لبحث تقدّم المشاريع المشتركة من إسكانٍ وماءٍ ورياضة. هذا التنقّل في الاتجاهين، قادةٌ يقصدون الجزر وقادةٌ من الجزر يقصدون الإمارات، هو نبض العلاقة الحيّة.
سلسلة اللقاءات
| قمّة ٢٠٢٣ | لقاء الرئيس والشيخ محمد بن زايد |
| قمّة ٢٠٢٥ | مباحثات مع الشيخ حمدان بن محمد وليّ عهد دبي |
| وزير الدولة | الشيخ شخبوط بن نهيان، لقاءاتٌ في الاتجاهين |
| ديسمبر ٢٠٢٥ | زيارة الرئيس هيرمِني الأولى إلى أبوظبي |
وجوهٌ إماراتية كثيرة، علاقةٌ واحدة
اللافت في علاقة سيشل بالإمارات تعدّد الوجوه التي تديرها. فعلى مرّ السنوات التقى قادة سيشل الشيخَ محمد بن زايد رئيس الدولة، وسموّ الشيخ حمدان بن محمد وليّ عهد دبي، والشيخ شخبوط بن نهيان وزير الدولة، والشيخ أحمد بن سعيد آل مكتوم رئيس طيران الإمارات. ومن قبلُ كان الشيخ سرور بن محمد آل نهيان قد موّل أول مسجدٍ في الجزر عام ١٩٨٢. هذا التعدّد ليس تشتّتًا، بل دليل عمق: العلاقة منسوجةٌ عبر مؤسّساتٍ وأشخاص، لا معلّقةً على فردٍ واحد، وهذا ما يمنحها متانةً تتجاوز تغيّر الأشخاص.
العلاقة منسوجةٌ عبر مؤسّساتٍ وأشخاص، لا معلّقةٌ على فردٍ واحد، وهذا سرّ متانتها.
الاستمرارية عبر الرؤساء
من أقوى ما يميّز هذه العلاقة أنها لا تنقطع بتغيّر القيادة. فقد رعاها الرئيس واڤيل رامكالاوان بلقاءاته المتكرّرة في دبي وأبوظبي، ثم حملها الرئيس باتريك هيرمِني حين جعل الإمارات أول وجهةٍ خارجية له بعد تولّيه. هذه الاستمرارية عبر رئيسين تعني أنّ الشراكة مع الإمارات صارت ثابتًا في سياسة سيشل الخارجية، لا خيار حكومةٍ بعينها. والعلاقات التي تصمد عبر التغيير هي وحدها التي يُبنى عليها.
فنّ الدولة الصغيرة في المحافل
تكشف هذه اللقاءات براعةً في دبلوماسية الدول الصغيرة. فسيشل لا تملك ثقل الاقتصادات الكبرى، لكنها تملك حضورًا ذكيًّا: تختار المنابر التي تجمع القادة، وتبني علاقاتٍ شخصية تدوم، وتحوّل كل مصافحةٍ إلى ملفّ. هذا هو السلاح الحقيقي للدول الصغيرة، أن تكون حاضرةً حيث يُصنع القرار، وأن تُحسن تحويل الودّ إلى مشاريع. وسيشل، في علاقتها بالإمارات، نموذجٌ يُدرَّس في هذا الفنّ.
من الصورة إلى المشروع
قد يظنّ البعض أنّ هذه اللقاءات مجرّد بروتوكولٍ وصور. لكنّ سجلّ العلاقة يقول غير ذلك: فبعد كل جولةٍ من المصافحات، ظهرت مشاريعُ ملموسة، من اللقاح إلى محطّات التحلية إلى الإسكان. المصافحة في القمّة ليست نهاية المطاف، بل بدايةُ ملفٍّ يُترجَم إلى واقعٍ يلمسه المواطن.
وماذا يعني هذا للزائر؟
قد تبدو القمم والمصافحات بعيدةً عن رحلة سائح، لكنّ ثمرتها اتّصالٌ دائم. فحين تُدار العلاقة بهذه العناية على أعلى مستوى، تُصان الرحلات الجوّية والمشاريع التي يستفيد منها الزائر. الاستقرار في العلاقة بين البلدين يعني استقرارًا في الجسر الذي يعبره المسافر، وفي المنتجعات التي تستقبله. حين تعرف أنّ وجهتك مربوطةٌ بشريكٍ قويّ بعلاقةٍ راسخة، تسافر بثقةٍ أكبر.
العلاقات، كالجدران، تُبنى حجرًا حجرًا. وكل قمّةٍ ومصافحةٍ في هذا السجلّ حجرٌ في جدارٍ صار اليوم من أمتن ما تملكه سيشل في علاقاتها الخارجية. لم يُبنَ في يوم، ولن يُهدَم في يوم، وتلك هي قوّة ما يُبنى على مهل.
